تتغير ملامح الشوارع والبيوت، لكن الفاجعة الحقيقية تبدأ حين تتغير قلوب الناس وتصلد. في سنوات مضت، كانت الحيطان بين البيوت واطئة، تسمح لصوت الجار أن يعبر، ولرائحة الطعام أن تتنقل، ولليد أن تمتد بالخير قبل أن يطلبها أحد.
لم يكن ذلك مجرد بناء قديم، بل كان إيماناً فطرياً بأن الأمان لا يكتمل إلا بالناس، وأن ابن المحلة أو الشريك في الوطن ليس عدواً حذراً، بل هو سندك الأول إذا طرأ عليك طارئ.
اليوم، حين تلفت حولك، تجد أننا نرفع السواتر في كل مكان. نزيد الأقفال، ونطيل الجدران، ونبني أسيجة ناعمة لكنها أشد قسوة؛ جدران من الخوف، والعزلة، والتوجس الطائفي والطبقي والفكر المغلق.
نتوهم أننا بهذه الحصون نحمي أنفسنا من الفجيعة، بينما الحقيقة أننا نسجن أرواحنا داخلها. نعم، قد تمنع الجدران العالية اللصوص، لكنها تمنع الضوء والماء والهواء أيضاً، وتتركنا نموت بطئاً داخل عزلتنا المطلقة.
هذه العزلة هي الأكذوبة الكبرى التي نعيشها. نضحك على أنفسنا حين نظن أننا أذكياء لأننا ابتعدنا عن الآخرين، وننسى أننا معجونون من نفس الطين ونواجه نفس المصير.
في لحظات الخوف المشترك، حين تضربنا الأزمات أو المصائب، نكتشف فجأة أن وجعنا واحد، وأملنا واحد، وأننا أحوج ما نكون لبعضنا. لكن ما إن تهدأ العاصفة حتى نركض من جديد لنغلق الأبواب بوجوه بعضنا، وكأننا لم نتعلم شيئاً.
إن الزهرة لا تقدر أن تعيش بلا نحل، والشارع لا يعيش بلا ناس تحبه وتتآلف فيه. والسقف إذا انهار، فلن يسلم منه صاحب القصر ولا صاحب الكوخ، فالظلمة ستغمر الجميع.
التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس أن نهدم جدران الشوارع، بل أن نملك الشجاعة لنخفض الجدران التي بنيناها داخل نفوسنا.
الأمان الحقيقي لا يصنعه الخوف، بل تخلقه الثقة، ونحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نملك الشجاعة لنلتفت إلى بعضنا وننجو معاً كشركاء في الأرض والحلم والمصير، أو ننطفئ فرادى، كلٌ خلف جدار.




