في خضم زحام الأيام وتراكم تفاصيل العيش اليومية المرهقة يجد المرء نفسه غارقاً في بحر من الإشارات والرموز التي تحاصره من كل جانب وتفرض عليه ضرورة فهمها لضمان استمراره في الوجود، حيث تبرز الحاجة الماسة لفك شفرات هذا العالم المتداخل الذي لا يتوقف عن إرسال رسائله عبر الكلمات المكتوبة أو عبر ظواهر الطبيعة وحركات البشر المتقلبة.
هذا الواقع يضعنا وجهاً لوجه أمام جوهر فعل القراءة باعتباره ممارسة حيوية تتجاوز مجرد الترف الفكري لتصبح سلاحاً للبقاء ووسيلة لترميم انكسارات الذات وبناء وعي إنساني قادر على مواجهة تحديات الحياة الصعبة.
وإذا كانت القراءة هي المفتاح الذي نستخدمه لفتح مغاليق هذا الوجود فإن التساؤل يطرح نفسه حول طبيعة الفرق الجوهري بين قراءة الحرف المكتوب وقراءة الواقع المحسوس، وعن المدى الذي يمكن أن يبلغه امتياز المتعلم في تحرير العقل من قيود الزمان والمكان مقارنة بمن يكتفي بفك رموز اللحظة الراهنة وتدابير العيش العابرة؟
القراءة فعل وجودي يتجاوز مجرد فك الخطوط على الورق ليشمل كل محاولة لفهم ألغاز الحياة وتدبير شؤون البقاء، فالشخص الذي لا يمارس هذا الفعل يظل محاصراً في زاوية ضيقة من الواقع وتكون رؤيته للأمور محدودة بحدود ما تراه العين وتلمسه اليد.
القراءة في جوهرها ترتبط بالفهم لكنها أحياناً تعمل مثل المرآة التي تصدم المرء بحقيقته وتدفعه لتطوير ذاته وبناء وعيه الإنساني الشامل، ومهما كانت محاولات الهروب منها فإنها تظل ضرورة ذاتية وإنسانية ووجودية لا غنى عنها لمن يطمح لامتلاك معنى أعمق لحياته.
ويظهر في هذا العالم نوعان من فك الرموز، حيث يفك المتعلم الحروف المكتوبة في الكتب ليفتح لنفسه أبواباً تتخطى الزمان والمكان ويطلع على عقول وتجارب لم يقابل أصحابها قط، وهذا هو الامتياز الذي يجعله يتحرر من محدودية تجربته الشخصية ليضيف لعمره أعماراً أخرى كثيرة، أما الأمي فهو يفك رموز الواقع والحياة اليومية ويقرأ تقلبات الزمن وتغيرات المناخ، فيقرأ وجوه الناس ليميز الصدق من الكذب ويشم رائحة الخطر في الأجواء ويعتمد في ذلك كله على حواسه وخبرته المباشرة وقوة ملاحظته التي صقلتها الأيام.
لتوضيح هذه الصورة نجد الفلاح أو الصياد الذي ينظر إلى لون السماء واتجاه الريح فيدرك اقتراب العاصفة ويفك رموز الطبيعة ليحمي رزقه وحياته، تماماً كما يراقب الشخص الفطن نظرات العيون ونبرات الصوت ليعرف مخابئ النفس قبل أن يضع ثقته في أحد، وحتى في عالم الغاب نجد أن القراءة فطرة مغروسة في أصل الكائنات، فالقطة التي تراقب الفريسة وتدرس المسافة بدقة وتتحين اللحظة المناسبة للهجوم هي في الحقيقة تقرأ الواقع وتدرسه لضمان بقائها.
مما يثبت أن فعل القراءة في أصله هو فعل حياة قبل أن يكون فعل ثقافة. لكن الفرق الحقيقي والامتياز يظهر في أن القراءة المكتوبة تمنح الإنسان المتعلم القدرة على التجريد وفهم القوانين الكبرى التي تحكم العالم ونقد الواقع وتغييره بدلاً من مجرد التكيف معه والقبول به، فالشخص الذي يقرأ ورقة إرشادات الدواء يحمي جسده من خطر صحي بفضل نصيحة طبيب بعيد لم يره، والشاب الذي يقرأ تاريخ مدينته يفهم أصل العادات التي يمارسها المجتمع اليوم وبذلك يخرج من سجن اللحظة الحالية ليعيش في أزمان مختلفة.
هنا يتجلى السمو الحقيقي للمتعلم، فبينما تظل قراءة الواقع المباشر وسيلة للعيش في حدود ما يحيط بالمرء، يظل الحرف المكتوب هو الجناح الذي يسمح للعقل بالتحليق بعيداً عن حدود المادة، حيث أن المتعلم لا يكتفي بقراءة ما هو موجود أمامه مثل الحيوان أو الأمي بل يمتلك القدرة على قراءة ما وراء الظواهر وفهم الأفكار التي تحرك التاريخ.
نعم إعلاء شأن المتعلم ينبع من كونه لا يفك رموز العيش للبقاء فقط بل يفك رموز الفكر ليصنع الحياة نفسها ويغير مجرى مستقبله، فالقراءة الواعية للحرف هي الضوء الذي لا ينطفئ حتى لو حل الظلام والحبل الذي نتمسك به لكي لا نغرق في بحر الجهل الصامت.
وتبقى القراءة هي الرحلة المستمرة التي تبدأ بملاحظة العين وتنتهي بوعي العقل الشامل، وهي الدعوة الدائمة لكل إنسان لكي يطور أدواته وينتقل من مرحلة قراءة الغريزة إلى مرحلة قراءة العلم والإبداع.
وإذا كان الحرف المكتوب قد منح الإنسان المتعلم سلطة السيادة على الزمان والمكان وقدرة التحول من كائن يتأثر بالواقع إلى كائن يصنعه، فهل يمكن لهذا الوعي المكتسب أن يردم الفجوة بين عالم الرموز المجردة وعالم الواقع المعيش لنتجاوز مجرد فك الشفرات نحو صناعة معنى حقيقي وأصيل لهذا الوجود؟




