دوليسياسة
أخر الأخبار

الكونغرس الأمريكي.. يثير الجدل حول سبتة ومليلية ويدعو لحوار مغربي إسباني

.. أشار التحليل إلى مفارقات في السياسة الإسبانية، من بينها رفض بعض أشكال التعاون العسكري المرتبط بإسرائيل، مقابل استمرار اقتناء تجهيزات عسكرية أوروبية تعتمد جزئياً على التكنولوجيا الإسرائيلية، فضلاً عن استمرار إسبانيا، بحسب الطرح ذاته، في الاحتفاظ بما وُصف بـ“مناطق ذات طابع استعماري” في شمال المغرب، في إشارة إلى سبتة ومليلية

أعادت وثيقة صادرة عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي طرح ملف مدينتي سبتة ومليلية، في سياق سياسي ودبلوماسي يتسم بتصاعد التوترات الدولية وتبدّل أولويات التحالفات.

الوثيقة، التي جاءت بمبادرة من النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت، لم تكتفِ بالإشارة إلى الوضع القائم للمدينتين، بل ذهبت إلى توصيفهما باعتبارهما تقعان جغرافياً ضمن التراب المغربي رغم خضوعهما للإدارة الإسبانية، داعية إلى فتح نقاش دبلوماسي بين الرباط ومدريد حول مستقبلهما.

هذا الطرح الأمريكي، الذي يخرج عن اللغة التقليدية الحذرة التي ميزت مواقف واشنطن تجاه الملف، أعاد إلى الواجهة جدلاً قديماً-جديداً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، خاصة أنه يتقاطع مع تصريحات سابقة لدياز بالارت كان قد أدلى بها في أبريل الماضي، أكد فيها أن سبتة ومليلية لا تنتميان إلى المجال الجغرافي الإسباني، بل إلى المغرب، في موقف أثار حينها ردود فعل حادة داخل إسبانيا، واعتُبر خروجاً عن الخطاب الغربي المعتاد في التعاطي مع هذه القضية الحساسة.

غير أن المستجد هذه المرة لا يتعلق فقط بتصريحات سياسية، بل بوثيقة مؤسساتية أوصت بشكل صريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتشجيع إطلاق مسار تفاوضي بين المغرب وإسبانيا، بل وذهبت أبعد من ذلك حين دعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فتح نقاش رسمي حول “سيادة” المدينتين، في سياق ما وصفته بتنامي الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرباط.

هذا التطور قرأته دوائر إسبانية على أنه مؤشر على تحول تدريجي في الرؤية الأمريكية، خاصة في ظل إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وتزايد أهمية المغرب كشريك استراتيجي في ملفات الأمن والهجرة والطاقة، فضلاً عن موقعه الجغرافي الذي يجعله فاعلاً محورياً في معادلة الاستقرار بمنطقة الساحل وغرب المتوسط.

وتعزز هذه القراءة معطيات أخرى تتعلق بالسياق السياسي الأوسع، إذ تربط تحليلات إسبانية بين هذه الإشارات الأمريكية وبين التوتر القائم بين مدريد وواشنطن، على خلفية رفض رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز السماح باستخدام القاعدتين الجويتين في روتا ومورون في عمليات عسكرية موجهة ضد إيران.

هذا القرار، الذي اعتُبر في بعض الأوساط الأمريكية خروجاً عن منطق التنسيق التقليدي داخل التحالفات الغربية، فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الطرفين في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، أفادت تقارير إعلامية دولية بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تدرس خيارات للرد على الموقف الإسباني، من بينها مراجعة بعض جوانب التعاون العسكري، أو حتى إعادة تقييم موقع مدريد داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة في ظل استمرار رفض إسبانيا منح تراخيص عبور جوي للطائرات الأمريكية منذ انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة، وهو ما زاد من تعقيد المشهد وأضفى عليه أبعاداً استراتيجية تتجاوز الخلاف الظرفي.

وتزامناً مع هذه التوترات، أعلنت واشنطن عن سحب نحو 5000 جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها جزءاً من إعادة تموضع استراتيجي للقوات الأمريكية في أوروبا، بما يتماشى مع أولويات جديدة تركز على مناطق أكثر حساسية من الناحية الجيوسياسية.

كما تزامن ذلك مع زيارة مسؤول عسكري أمريكي رفيع إلى المغرب، ما عزز من الانطباع بوجود تحول تدريجي في بوصلة الشراكة الأمريكية داخل المنطقة.

في المقابل، لم يقتصر النقاش داخل الولايات المتحدة على المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى مراكز التفكير المؤثرة، حيث نشر American Enterprise Institute مقالاً تحليلياً دعا إلى ما وصفه بـ“تصحيح خطأ تاريخي” عبر اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، على غرار الاعتراف الأمريكي السابق بمغربية الصحراء.

واعتبر كاتب المقال، ميكاييل روبين، أن الموقف الإسباني يعاني من تناقضات واضحة، منتقداً ما وصفه بازدواجية المعايير في تعاطي مدريد مع قضايا السيادة والتسلح.

وأشار التحليل إلى مفارقات في السياسة الإسبانية، من بينها رفض بعض أشكال التعاون العسكري المرتبط بإسرائيل، مقابل استمرار اقتناء تجهيزات عسكرية أوروبية تعتمد جزئياً على التكنولوجيا الإسرائيلية، فضلاً عن استمرار إسبانيا، بحسب الطرح ذاته، في الاحتفاظ بما وُصف بـ“مناطق ذات طابع استعماري” في شمال المغرب، في إشارة إلى سبتة ومليلية.

هذه التراكمات، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو التحليلي، أسهمت في رفع منسوب القلق داخل إسبانيا، حيث بدأت بعض القراءات تتحدث عن سيناريوهات محتملة قد تعيد طرح الملف بشكل غير مسبوق، من بينها فرضية تحرك دبلوماسي مغربي مدعوم أمريكياً لإعادة فتح ملف السيادة، في ظل غياب ضمانات واضحة لتدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، نظراً لكون المدينتين لا تدخلان ضمن نطاق الحماية الصريحة للحلف، رغم محاولات مدريد السابقة لتوسيع هذا الإطار ليشملهما.

و تعكس هذه التطورات لحظة تحوّل دقيقة في توازنات المنطقة، حيث لم يعد ملف سبتة ومليلية محصوراً في إطاره الثنائي التقليدي بين المغرب وإسبانيا، بل أصبح جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها حسابات التحالفات الدولية، ومصالح القوى الكبرى، وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية في عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد وعدم اليقين.

https://anbaaexpress.ma/e97jv

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى