في كل مرة يصعد فيها اليمين المتطرف في أي بلد، يعود العالم ليتذكر أكثر الفصول دموية وظلاماً في التاريخ الحديث. هذا الفكر الذي يقوم على الكراهية والتفوق العرقي ورفض الآخر، لم يكن يوماً مشروعاً إنسانياً أو حضارياً، بل كان دائماً وقوداً للحروب والانقسامات والمجازر.
يكفي أن نتذكر صعود النازية بقيادة Adolf Hitler في ألمانيا، والتي قادت العالم إلى الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن عشرات ملايين القتلى، تحت شعارات “النقاء العرقي” و”تفوق الأمة”.
كذلك شكّل نظام Benito Mussolini الفاشي في إيطاليا نموذجاً آخر لليمين المتطرف الذي حوّل القومية إلى أداة قمع واستبداد.
هذا الفكر لم يقتصر على أوروبا فقط، بل كان أيضاً المحرك الفكري للاستعمار الغربي الذي اعتبر شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية “أدنى مرتبة”، ما برر احتلال أراضيها، ونهب ثرواتها لعقود طويلة.
ملايين البشر قتلوا أو شُرّدوا بسبب سياسات استعمارية وعنصرية كانت مدعومة بخطابات يمينية متطرفة تؤمن بأن “الأقوى” يملك الحق في السيطرة على الآخرين.
اليمين المتطرف في جوهره لا يؤمن بالمساواة أو العدالة أو التعددية، بل يبني خطابه على الخوف والكراهية وصناعة العدو الداخلي والخارجي.
لذلك نجد أن معظم الأنظمة الديكتاتورية في التاريخ اعتمدت على هذا النوع من الفكر لإسكات المعارضين وقمع الحريات وإشعال النزاعات.
وفي لبنان، لم يكن هذا الفكر بعيداً عن المشهد السياسي. فمنذ الحرب الأهلية وحتى اليوم، برزت تيارات وأحزاب ذات نزعات يمينية متطرفة بنت خطابها على التخويف الطائفي ورفض الآخر والتحريض المستمر.
بعض هذه القوى لم تتردد تاريخياً في الاستعانة بالخارج ضد أبناء بلدها، سواء عبر التحالف مع قوى إقليمية أو دولية أو حتى طلب التدخل الأجنبي في الشؤون اللبنانية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
المشكلة أن هذا الخطاب لا يبني دولة، ولا يصنع استقراراً، بل يكرّس الانقسام والكراهية، ويعيد إنتاج الأزمات نفسها. فلبنان، البلد القائم على التنوع، لا يمكن أن يعيش بعقلية الإلغاء أو التفوق الطائفي أو العنصري.
والتاريخ أثبت أن كل مشروع متطرف، مهما بدا قوياً في لحظة معينة، ينتهي دائماً إلى الخراب والحروب والدمار، فيما تبقى الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر.




