آراء
أخر الأخبار

وعاظ السلاطين والمنافقون للسلطة.. (متلازمة البوطي BOUTY – SYNDROM)

البوطي والفرفور نموذجا

أرسل لي الأخ الفاضل باسل من السويد إعجابه بالواعظ الكردي (البوطي) فكان لابد من شرح قصص المنافقين.

والرجل انتهت حياته قتلا غالبا بيد النظام الأسدي، أو بالتسهيل للآخرين، أو السكوت عنهم وتمكينهم من التخلص منه، بعد أن انتهى دوره (كما يقول السوريون: ممسحة زفر)، لانتهاء دوره في نصرة الوحش، ولكن الكثيرين من البسطاء يعتبرونه شهيدا كما هو الحال مع البطل صدام والسبطين السعيدين من أولاده قصي وعدي الذين قتلوا في معركة الموصل.

وهذا ما يجعلنا نفهم لماذا افتتح القرآن أول سورة نقرأها كل يوم 17 مرة أعني سورة الفاتحة وهي تنص على الثلاثي: النوع المستقيم بوضوح، والثاني الغافل الضال، والثالث المخيف الذي يعرف وينحرف وهو يعرف أنه يعرف أنه ينحرف، لتبدأ سورة البقرة مباشرة بشرح الأصناف الثلاثة أربع آيات في المتقين، وآيتين في الكافرين لوضوح اللون بين الأبيض والأسود، ثم 13 آية عن المنافقين لغموضهم فلا يبصرون أي 6.5 مرة عن شرح الكافرين الواضحين، سواد مجلل عاتم مقابل النورانيين الأتقياء.

لذا كان النفاق من أخطر الأمراض الاجتماعية يشبه السرطان في تركيبه؛ فهو يتظاهر أنه من نفس الجسم، وهو يقوم بهدمه، أو مثل فيروس الايدز الذي يلتحم بالكود الوراثي فيصبح منه وهو ليس منه بل يعود الجسم فينتجه، وهو غافل عن الموت المتربص به.

ومباشرة بعد سورة الفاتحة وبداية البقرة يبدأ التطبيق الاجتماعي الميداني على طائفة من اليهود المصابين بأمراض النفاق الثلاثة: كتمان الحقيقة، أو بيعها بالثمن، أو خلط الأمور ببعض (تعبير القرآن يلبسون الحق بالباطل؛ أي يلبس الباطل قفطان الحق فيظهر كأنه الحق وهو الباطل مختفيا خلف قفطان الحق، وهو من أخبث أنواع الأمراض الاجتماعية).

كل هذا نورده في تحليل فلسفي نفسي اجتماعي حتى تكون عندنا من أدوات السبر والتحقيق من معرفة نماذج الناس. والمشكلة في رواج نموذج المنافقين أنهم يختبئون خلف عمامة الفقيه وقفطان الواعظ كما هو حال البوطي مع الأسد الذي التحم به وبرر له، و الثاني الفرفور الذي قال عن الأسد البراميلي أنه يتخلق بأخلاق الله؟

سورة كاملة نزلت بعنوان المنافقون: إذا جاءك المنافقون قالوا إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يعلم أن المنافقين لكاذبون.

وسورة التوبة هي بعنوان ثاني (المنافقون) لكثرة شرح أوضاعهم وأنهم يحلفون إنهم لمنكم وماهم منكم. بل جاء في آخرها عقاب شديد للثلاثة الين خلفوا بدون عذر عن الالتحاق بالحملة، في الوقت الذي غض رسول الرحمة ص النظر عن العديد من المنافقين الذين حلفوا أنهم تخلفوا لظروفهم الخاصة فأعذرهم وترك أمرهم إلى الله وهو لا يعلم أن كثيرا من المنافقين مردوا على النفاق كما جاء في الآية (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) حتى أن عمر كان يطلب من حذيفة أن يصلي معه على من مات؛ خوفا أن يكون من المنافقين فقد نهت الآية عن الصلاة عليهم (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره) بل هناك كلام ورد على عمر ر وهو يسأل حذيفة إن كان نبي الرحمة ذكره من بينهم؟ لأقوال عن حذيفة أن رسول الرحمة ص أسر له خبر بعض المنافقين.

مع ذلك كما جاء في الآية فهناك منافقون مدربون جدا على الاختباء و التلون لا يعلمهم حتى رسول الرحمة ص كما في الآية (مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين)

والسبب في تفشي النفاق في المدينة هو غلبة الإسلام فلم يكن من الكفرة إلا أن يتظاهروا بالإسلام ويبطنون النفاق. خلاف جو مكة حيث يحدث العكس من هرب المؤمنين إلى الحبشة، أو تحمل العذاب المهين، بل والقتل لبعضهم أو حتى الاختفاء والعمل السري أو حتى التظاهر بالكفر كما في الآية 106 من سورة النحل لحالات وقعت (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)؛ فهذه طبيعة الأفكار من قوتها وانتشارها، ودخول الناس في دينها والعكس بالعكس. فهذه جدلية اجتماعية يجب ان تفهم ونستوعبها.

وممن خدع بهم المغاربة بعضا ممن لمع اسمه وهو يتحدث باسم الدين، مثل البوطي وأضرابه وأمثاله، والمثل الطبي يقرب إلينا فهم ظاهرة البوطي، ويعني أن هناك دوما في انفجار أي مرض اجتماعي مجموعة من العناصر تعمل خلطة انفجار كما في ظاهرة البوطي، أن يجتمع فيه ظلمات العصر الاستبدادي + روح البورجوازية الشامية التجارية + من أقلية كردية + من وسط تعليمي تقليدي + لم يغادر إلى أوروبا أو الخارج عموما ولم يشم بعد روح الحداثة والفكر العالمي + إغراءات السلطة + الخوف من المخابرات (في يوم تم اعتقال أحد أبنائه على رواية) + مشيخة كفتارو مفتي الجمهورية أيضا كردي + النفوذ وإغراءاته (إمكانية الاتصال بضباط كبار والشفاعة لبعض المعتقلين).

وهنا نتذكر سحرة موسى الذين جاؤوا يطلبون الأجر (إئن لنا لآجرا إن كنا نحن الغالبين ؟) فمنّاهم فرعون بالنفوذ، كما حصل مع البوطي؛ فكان يدخل على الوحش الكبير بدون استئذان + خصومته مع التيارات الإسلامية الثورية وشبه الثورية مثل الإخوان وحزب التحرير + النفوذ كما ذكرنا عن سحرة موسى (الرئيس يضحك عليه وهو يضحك على الرئيس، وكل يعلم أنه يضحك على صاحبه أو على مبدأ كاترين ميديتشي والأحمق أشعب اكذب حتى تصدق نفسك، وبين أن تستِغل وأن تستَغل شعرة) + تبني موقف يصعب التراجع عنه، كما كان من حولي يروون لي عن صلابة الأكراد وصعوبة تراجعهم عن موقف اتخذوه في قصة الحلاق والمقص (حيث رفض التراجع فلما ألقوه في الماء بدأ يلوح بأصابعه على المقص)، وهي قصة مكررة في ثقافات شتى.

البوطي إذن وفي مركب صعب جدا تبقى صعوبة التراجع عن موقف في وجه جمهور من الأتباع المخدرين (كما ارسل لي العديد بعد سماع الفيديو الذي عملته حول الرجل دفاعا مستميتا بل وشتائم).

كما لا يستبعد عنصر «الخرف»، فنحن الأطباء نعرف هذه الحقيقة فيمن يتجاوز الثمانين (هو من مواليد 1929، أي قد دخل عامه الـ84 (سنة وفاته 2013) كما حصل مع تصلب الشرايين عند مبارك الثمانيني، فأعاد انتخاب نفسه فهوى)، فيبدأ عنده وتزداد احتمالات (أمراض الشيخوخة) من فقدان الذاكرة والخرف (Dementia) والزهايمر. إنه عنصر إضافي أيضا يدخل في ميزان الاحتمالات.

إنها خلطة تفجيرية قد تصلح لتفسير موقف البوطي وقد لا تصلح، وقد تكون هناك عناصر غيبية لا نحيط بها علما (مثلا تجنيده في الاستخبارات كما نعرف عن كلية تخريج الأئمة في جامعة تل أبيب، أو مسك أضابير وملفات خطيرة ضده)، حتى لا نظلم الرجل ولا نفتري عليه، وكفى بالمرء كذبا أن يقول كل ما يعلم. لكن الأكيد أنه وقف في الميدان مع الشيطان.

ربما كان الأفضل للبوطي لو جلس في بيته واعتبر ما يحدث فتنة، وسكت كما سكت الشحرور عن الأنغام، (صاحب كتاب «القرآن والكتاب»)، فأصيب أي الشحرور بالسكتة الدماغية دفعة واحدة. هنا نفهم معنى نزول سورة كاملة تحمل اسم المؤمن «غافر»، عن رجل مؤمن يكتم إيمانه حين رأى أن المؤامرة بين الثلاثي (فرعون وهامان وقارون) وصلت إلى حد التفكير بقتل موسى (وقال فرعون ذروني أقتل موسى، وليدعو ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).

هنا نرى المنظر مقلوبا جدا بين رجل يعلن إيمانه بعد كتمان، والشحرور الذي يخرس وكان يتبجح في مقاومة الطغيان. فالموقف يظهر معدن الإنسان، والرجل الذي كان يكتم إيمانه، أظهر إيمانه في هذا الموقف الصعب، ووقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة، أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.

في الوقت الذي كان يكتم إيمانه هذا الرجل، والشحرور الذي كان يكرر مقولاته في تفسير القرآن ضد الطغيان، ترك مقعده وولى الأدبار في لظى المحرقة الشامية والناس يقتلون بالملايين ويحرقون بمئات الآلاف، ويفر نصف الساكنة بـ 15مليونا إلى 15 بلدا حول العالم، والبوطي يتحدث عن شخصية الأسد العبقرية.

كان الأفضل للبوطي أن يغلق باب بيته ويتعبد استقبالا للكفن والقبر، وقد ركبته الشيخوخة فطقطقت مفاصله واهترأت الذاكرة وأصيب بالعشا بالعشي والإبكار (ثلاث علامات من أهم مظاهر الشيخوخة)، بدلا من أن يعتلي ظهر المنبر الأموي، فيقول إن جيش «البراميلي» هو جيش صحابة!!

لعل فولتير كان من أشد المنتبهين إلى هذا الثنائي الإجرامي، فأطلق صرخته: «اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس»، وهو ما انتهى إليه مصير البوطي بـ «قرطاسة» فجرت جمجمته، وبتخطيط من المخابرات الأسدية، وفسح المجال لداعشي مجنون هو آخر من يعلم من دفعه ومكّنه من الجريمة، كما انتهى إليه القيصر وراسبوتين. ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا!

خلاصة القول تبقى متلازمة البوطي (Bouty Syndrom) وأبو الهدى الصيادي الذي عاصر الأفغاني الثائر، وأمنحوتب من العصر الفرعوني، وكهنة أوروك وأور، وبطانة إمبراطور الصين، وكهنة بكين، ووزير لويس الرابع عشر «فوكييه»، مرضا يسم الأفراد من حاشية السلطة في كل عصر ومكان؛ فمن هو المؤمن؟ ومن هو الملحد؟ سؤال ما زال يلح علي بدون أن أعثر على إجابة.

كيف يمكن رؤية هذا التناقض بين رياض الترك (الشيوعي)، الذي نام في زنزانة انفرادية سبعة عشر عاما، من أجل أفكاره في الحرية، ويعتبر حسب لوغاريتم رجال الدين، هرطيقا، وواعظ السلطان الذي أقسم أن ابن الطاغية الذي مات يطير في الجنة بجناحين كما نطق صاحبنا البوطي؟

لقد كانت الكنيسة يوما تبيع تذاكر لدخول الجنة، وتعالج السعال الديكي بلبن الحمير، وتحرق الساحرات والكتب والقطط في الساحات العامة. وفي آشور كان الكهنة يتقنون الكتابة، ولكنها كانت حرفة للتضليل أكثر من بث الوعي.

واليوم يجتمع ثلاثي من (الكهنوت) و(الجبت) و(الطاغوت) في تجهيل المواطن العربي بالكتابة والفضائيات. واجتماع ثلاثة لا يعني ثلاثة، بل أكثر من ثلاثة. وكل له سلاحه الخاص. فـ(الكهنوت) يغتال العقل بالوهم، و(الجبت) يغيب الوعي تحت غبار الكلمات، و(الطاغوت) يستعبد الناس بالقوة. وهكذا يؤكل المواطن بالطول والعرض، فلا يبق منه مواطنا، بل مسكينا ويتيما وأسيرا، في سجن كبير اسمه الوطن.

لعل فولتير كان من أشد المنتبهين إلى هذا الثنائي الإجرامي فأطلق صرخته: «اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس» وهو ما انتهى إليه مصير البوطي بـ«قرطاسة» فجرت جمجمته فهو مع الوحش الكبير الذي نبش قبره وبال الناس عليه، ولكن صاحبنا البوطي المنافق دفن بجنب قبر صلاح الدين محرر القدس فوجب تحرير الطهارة من النجاسة والتخلص من قبر المسخوط بأسرع وقت لو كانوا يعلمون.

https://anbaaexpress.ma/2q94b

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى