في الدول التي تحترم مفهوم الدولة، تُفترض بوزارة الخارجية أن تكون مرآةً للإجماع الوطني وحاميةً لمصالح جميع المواطنين، لا أن تتحوّل إلى منصة سياسية تعبّر عن رؤية فريق داخلي واحد، أو إلى أداة تستخدم في تصفية الحسابات المحلية تحت عنوان “السيادة”.
لكن ما يجري في لبنان منذ تولّي يوسف رجّي وزارة الخارجية يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الدور الذي باتت تؤدّيه هذه الوزارة، وحول الجهة التي أصبحت تمثلها فعليًا في الداخل والخارج.
فالشكوى التي قُدمت ضد إيران إلى الأمم المتحدة، بما حملته من اتهامات سياسية وأمنية كبرى، لم تُقرأ في جزء واسع من البيئة اللبنانية باعتبارها دفاعًا عن السيادة الوطنية، بل كجزء من تموضع سياسي واضح ينسجم بالكامل مع خطاب فريق لبناني لطالما رأى في المقاومة أصل الأزمة، فيما تجاهل لعقود الخطر الإسرائيلي المباشر على لبنان.
المفارقة الكبرى لا تكمن فقط في مضمون الشكوى، بل في التوقيت والسياق والازدواجية الفاضحة في مقاربة مفهوم “التدخل الخارجي”.
فوزارة الخارجية نفسها، التي سارعت إلى اتهام إيران بالتدخل في القرار اللبناني، لم تُظهر طوال خمسة عشر شهرًا الحد الأدنى من الجرأة السياسية أو الدبلوماسية في مواجهة العدوان الإسرائيلي المفتوح على لبنان، رغم سقوط مئات المدنيين بين شهيد وجريح، وتدمير آلاف المنازل والمنشآت، واستباحة السيادة اللبنانية جوًا وبرًا وبحرًا، من الجنوب إلى الضاحية وصولًا إلى البقاع.
خلال تلك المرحلة، بدا أداء الوزارة أقرب إلى الصمت المريب منه إلى الدبلوماسية السيادية. لم نشهد حملة دولية حقيقية ضد الجرائم الإسرائيلية، ولا تحركًا بحجم الكارثة التي عاشها اللبنانيون، ولا خطابًا حازمًا يوازي حجم المجازر والانتهاكات اليومية.
بل إن خطاب بعض المسؤولين فيها بدا متماهياً، بشكل مباشر مع السردية الإسرائيلية التي حاولت تحميل البيئة المستهدفة مسؤولية ما تتعرض له، وكأن الضحية مطالبة دائمًا بتبرير حقها في الحياة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري؛ أي سيادة يتحدثون عنها؟
هل السيادة تُختصر فقط بمواجهة إيران وحلفائها في لبنان؟ وهل يصبح الارتهان للخارج مقبولًا حين يكون للخليج أو الولايات المتحدة؟ أم أن السيادة الحقيقية تعني استقلال القرار اللبناني عن جميع المحاور، من دون استثناء أو انتقائية؟
اللبنانيون يعرفون جيدًا أن الطبقة السياسية الحالية، بكل تناقضاتها، لم تعد تخفي حجم الارتهان للخارج. فقرارات أساسية في الدولة باتت مرتبطة بإشارات السفارات، والتعيينات والمواقف والسياسات تُدار من بعض السفراء وما على اللبنانيين من أصحاب القرار الا التنفيذ فقط.
لذلك تبدو بعض الخطابات السيادية أقرب إلى الاستخدام السياسي الانتقائي منها إلى مشروع وطني فعلي لاستعادة الدولة.
الأخطر في ما يجري أن وزارة الخارجية، التي يُفترض أن تكون مساحة جامعة لكل اللبنانيين، تتحول تدريجيًا إلى امتداد سياسي لفريق حزبي محدد، بما يفقدها صدقيتها الوطنية ويجعل جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يشعرون بأنها لم تعد تمثلهم، ولا تعبّر عن وجعهم، ولا حتى تعترف بتضحياتهم وخسائرهم.
أما الشكوى المقدّمة أمام مجلس الأمن، فمن المستبعد أن تُنتج أي نتائج قانونية فعلية أو قرارات ملزمة بحق إيران، تمامًا كما لم تُنتج عشرات الشكاوى اللبنانية ضد إسرائيل أي حماية للبنان أو ردعٍ للعدوان.
لكن خطورتها الحقيقية تكمن في بعدها السياسي والرمزي، إذ تُستخدم لتكريس سردية جديدة داخل المؤسسات الدولية تقوم على تصوير جزء كبير من اللبنانيين كعبء على الدولة، وربط المقاومة بالكامل بالمشروع الإيراني تمهيدًا لمحاصرتها سياسيًا وماليًا وشعبيًا.
فالوزارة تدرك جيدًا أن مجلس الأمن ليس هيئة عدالة دولية، بل ساحة توازنات ومصالح تتحكم بها الدول الكبرى، ولذلك فإن الهدف الفعلي من هذه الشكوى لا يبدو دفاعًا عن السيادة بقدر ما هو محاولة لإعادة تموضع لبنان الرسمي ضمن المحور الأميركي ـ الخليجي، وتقديم أوراق اعتماد سياسية للخارج على حساب الانقسام الداخلي اللبناني.
والأخطر أن هذا المسار، بدل أن يحصّن الدولة، يهدد بتحويل المؤسسات الرسمية إلى أدوات اشتباك داخلي بين اللبنانيين أنفسهم، عبر استخدام الدبلوماسية اللبنانية لاستهداف فئة واسعة من الشعب اللبناني تؤمن بخيار المقاومة، وتعتبر أن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ليست تهمة تحتاج إلى محاكمة أمام الأمم المتحدة، بل حق مشروع كرّسته كل القوانين الدولية.
وفي النهاية، تبقى السيادة الحقيقية ليست في كتابة الشكاوى الانتقائية، بل في امتلاك قرار وطني مستقل لا يخضع لا للسفارات الغربية ولا للمحاور الإقليمية، ولا يميز بين دم لبناني وآخر وفق الحسابات السياسية والطائفية
لبنان اليوم لا يحتاج إلى دبلوماسية انتقامية، ولا إلى وزارات تعمل بعقلية الاصطفاف الداخلي، بل إلى دولة تمتلك معايير واحدة في الدفاع عن سيادتها، وترفض أي عدوان أو وصاية، مهما كان مصدرها.
أما تحويل مفهوم السيادة إلى أداة تستخدم ضد فئة لبنانية دون أخرى، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي، وتكريس شعور شريحة واسعة بأن الدولة لم تعد دولة الجميع.




