أعاد تسجيل صوتي منسوب لأحد القادة السابقين في تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، ويدعى سعدو، فتح النقاش حول طبيعة العلاقة المعقّدة بين بعض التشكيلات العسكرية في منطقة الساحل والجماعات الجهادية الناشطة هناك، في لحظة تشهد فيها مالي تصعيداً غير مسبوق للهجمات المسلحة بدعم وتأطير النظام الجزائري.
في هذا التسجيل، الذي تداوله ناشطون خلال الأسابيع الأخيرة، يروي سعدو تفاصيل اجتماع عُقد – بحسب روايته – خلال موسم الأمطار عام 2025 داخل الأراضي النيجريّة، بحضور عدد من القيادات الميدانية في JNIM.
ويقول إن الاجتماع جرى بدعوة من مبعوث تابع لزعيم الجماعة إياد أغ غالي، يُدعى “أبو جولوي”، وإن الهدف كان مناقشة طلب تقدمت به مجموعة من العسكريين البوركينابيين للحصول على دعم مقاتلين من التنظيم من أجل تنفيذ انقلاب عسكري ضد الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو إبراهيم تراوري.
وبحسب ما يورده سعدو، فإن ضباطاً في وحدة تدخّل سريع تابعة للجيش البوركينابي تواصلوا مع القيادي الجهادي جعفر ديكو، المعروف بـ”أبي محمودو”، وعرضوا فكرة التعاون الميداني مع مقاتلي JNIM مقابل المساعدة في إسقاط السلطة في واغادوغو.
هذا الطرح أثار نقاشاً حاداً داخل الاجتماع، خاصة من الزاوية الفقهية والسياسية، حول مدى مشروعية تحالف “المجاهدين” مع “جنود الدولة” الذين يحملهم التنظيم مسؤولية القتال ضده على الأرض.
أهمية التسجيل لا تنبع فقط من ما يكشفه عن طريقة التفكير داخل الجماعات الجهادية، بل أيضاً من تقاطعه مع معطيات رسمية صادرة عن السلطات البوركينابية. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلنت واغادوغو رسمياً إحباط محاولة انقلاب عسكري كانت مقررة في السادس عشر من الشهر نفسه، وأكدت اعتقال عدد من الضباط بتهمة التخطيط لـ”تقويض النظام الدستوري بالتنسيق مع عناصر إرهابية”.
ووفق بيانات الحكومة آنذاك، كان المخطط يقوم على مهاجمة القصر الرئاسي ومواقع حساسة داخل العاصمة بالتوازي مع عمليات أخرى لخلق حالة واسعة من الفوضى وعدم الاستقرار.
من هذه الزاوية، يقدّم التسجيل المنسوب إلى سعدو رواية مكمّلة للصورة الرسمية في بوركينا فاسو: فهو يربط بين الضباط المتهمين وبين قنوات اتصال مع JNIM، ويشير إلى أن قيادة الجماعة ناقشت فعلاً الانخراط في مشروع يدمج بين الانقلاب العسكري والضغط غير النظامي.
ورغم أن تفاصيل الأسماء والأدوار الواردة في الرواية تبقى بحاجة إلى تحقق مستقل، فإن الإطار العام ينسجم مع ما أعلنته السلطات البوركينابية وما سجله مراقبون دوليون عن تنامي ظاهرة “التقاطعات الرمادية” بين بعض الفاعلين داخل المؤسسات العسكرية والجماعات الجهادية في منطقة الساحل.
هذا التداخل بين المسارين العسكري والجهادي يطرح تحدياً إضافياً أمام تحالف دول الساحل (AES)، الذي أعلنته باماكو ونيامي وواغادوغو. فقد تعهّدت دول التحالف الثلاث بتشكيل قوة عسكرية مشتركة قوامها نحو خمسة آلاف جندي لمواجهة التنظيمات الجهادية و”محاولات زعزعة الاستقرار”، متهمةً خصوماً إقليميين (الجزائر على وجه الخصوص) ودوليين بدعم أو استغلال التمردات المسلحة والانقلابات المتكررة في المنطقة.
في المقابل، طوّرت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” خلال العامين الماضيين استراتيجية وُصفت بأنها “متعددة الجبهات” في مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ إذ انتقل التنظيم من منطق الهجمات المتفرقة إلى أسلوب الضربات المنسّقة والحصار الطويل لمدن ومحاور حيوية، مع استنزاف القوات الحكومية على أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
ويبدو أن محاولة استثمار التناقضات والخلافات داخل الجيوش الوطنية، كما يوحي به تسجيل سعدو، تندرج ضمن هذه المقاربة التي تقوم على ضرب تماسك المؤسسة العسكرية من الداخل بالتوازي مع الضغط عليها في الميدان.
وتأتي التطورات الأخيرة في مالي لتمنح هذا النقاش بعداً ملموساً. ففي 25 أبريل/نيسان 2026، شهدت البلاد سلسلة هجمات منسّقة استهدفت مواقع عسكرية وسيادية في كاتي قرب العاصمة باماكو، وفي مدن أخرى بينها موبتي وسيفاري، بالتوازي مع هجمات في الشمال انتهت بسيطرة جبهة تحرير أزواد والقاعدة على مناطق واسعة في كيدال وأجزاء من غاو، بحسب تقارير إعلامية ودولية.
ووصفت مصادر أممية وغربية الهجوم بأنه الأخطر منذ سنوات على نظام الحكم في باماكو، بالنظر إلى رمزية الأهداف المختارة وطبيعة التنسيق بين الفاعلين المسلحين.
في أعقاب تلك الأحداث، تحدّث صحفيون ومراقبون عن موجة اعتقالات في صفوف العسكريين داخل مالي، قبل أن تؤكد النيابة العسكرية بعض هذه المعطيات في بيان رسمي.
فقد أعلنت الجهة القضائية المكلفة أن التحقيقات الأولية حول “الهجمات الإرهابية” الأخيرة مكّنت من الكشف عن “قرائن قوية” على تواطؤ عسكريين مفصولين أو في طور الفصل من الخدمة، إلى جانب عسكريين لا يزالون في الخدمة الفعلية، في التخطيط والتنسيق والتنفيذ.
كما أشار البيان إلى ضلوع شخصيات سياسية، وذكر بالاسم أحد أبرز المعارضين التاريخيين، وهو عمر ماريكو، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة الاشتباه لتشمل أطرافاً مدنية علما بأن عمر ماريكو قام بعدة رحلات مكوكية للجزائر العاصمة خلال الأشهر الماضية.
هذا المعطى الرسمي يعيد إلى الأذهان سريعاً “السيناريو البوركيني” الذي تتحدث عنه رواية سعدو: هجمات أو محاولات زعزعة للاستقرار تُنسب إلى جماعات مسلحة، لكن خيوطها تمتد في الوقت نفسه إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، سواء عبر ضباط ساخطين أو مفصولين أو شبكات سياسية متحالفة معهم.
ومع أن بيان النيابة المالية لم يشر صراحة إلى JNIM أو إلى تنظيم بعينه، فإن تكرار نمط “العلاقة الرمادية” بين جزء من العسكر وفاعلين مسلحين غير نظاميين يرسّخ الصورة التي تنقلها الشهادة المسربة عن طريقة تفكير الجماعات الجهادية في استثمار التشققات الداخلية داخل أنظمة تحالف دول الساحل.
من هذه الزاوية، يبدو أن تحالف دول الساحل يواجه معركة مزدوجة: معركة مفتوحة ضد التنظيمات الجهادية على الأرض، ومعركة صامتة داخل مؤسسات الدولة نفسها عنوانها الأساسي منع “تسييل” الصراعات السياسية والعسكرية الداخلية في اتجاه تحالفات خطرة مع جماعات متطرفة.
وبينما يراهن قادة دول التحالف على أن القوة المشتركة الجديدة ستعزّز قدرتهم على ضبط الحدود واستعادة المبادرة، يراهن خصومهم على هشاشة البُنى الأمنية والعسكرية وعلى استمرار الانقسامات الداخلية لتكريس واقع أمني أكثر تعقيداً خلال السنوات المقبلة.




