حديث الساعةمجتمعمغاربة العالم
أخر الأخبار

من أثينا إلى العالم.. المغرب ينتصر للدبلوماسية الحضارية ويُسقط خطاب التهويل

وفي خضم هذا النجاح الثقافي والدبلوماسي المغربي بأثينا، يبرز تساؤل مشروع حول توقيت إثارة هذه الضجة بالذات، خاصة في ظل تزامن “الأسبوع المغربي” مع تحركات ثقافية موازية حاولت بعض الأطراف الإقليمية من خلالها خلق نوع من المنافسة والتشويش على الحضور المغربي المتنامي داخل الفضاء المتوسطي على رأسها الجزائر..

مرة أخرى، يؤكد المغرب أنه ليس مجرد دولة تمارس الدبلوماسية التقليدية، بل قوة حضارية ناعمة تمتلك من العمق التاريخي والرمزي ما يجعلها قادرة على بناء الجسور حيث يفشل الآخرون في إطفاء الحرائق.

فالأسبوع المغربي الذي احتضنته العاصمة اليونانية أثينا لم يكن مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل شكل محطة استراتيجية في مسار الدبلوماسية الثقافية المغربية، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس برؤية قائمة على الحوار والتعايش والانفتاح، في عالم يعيش على وقع التوترات والهويات القاتلة والانقسامات الحضارية.

لقد نجح المغرب، من خلال هذا الموعد الدولي الرفيع، في تقديم صورة دولة واثقة من تاريخها، معتزة بتعددها الحضاري، وقادرة على مخاطبة الضفة المتوسطية بلغة الثقافة والفكر والفن والروح الإنسانية المشتركة، بعيداً عن منطق الصدام والاستقطاب.

ولعل اللحظة الرمزية المتعلقة بتقديم صليب من صناعة حرفيين مغاربة مسلمين إلى الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، في إطار مبادرة للتعايش والسلام، كانت من أكثر اللحظات التي عكست جوهر الرسالة المغربية الحقيقية: مغرب لا يخاف من الاختلاف، ولا يعادي الرموز الدينية للآخر، بل يعتبر التعدد جزءاً من هويته التاريخية العريقة.

غير أن بعض الأصوات سارعت إلى تضخيم الواقعة ومحاولة إخراجها من سياقها الحضاري والدبلوماسي الطبيعي، عبر إدخالها في متاهات الصراع التاريخي بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وكأن العالم لا يزال يعيش حروب القرون الوسطى والانشقاقات اللاهوتية القديمة.

إن محاولة تصوير مبادرة رمزية للتعايش وكأنها “استفزاز ديني” أو “أزمة بروتوكولية خطيرة” لا تعكس قراءة واقعية للمشهد الدولي الحالي، بقدر ما تكشف وجود جهات تبحث عن الإثارة أو تسعى إلى التشويش على النجاحات المتواصلة للدبلوماسية المغربية.

فالعلاقات بين الكنائس المسيحية اليوم تقوم على الحوار والتعاون، واليونان نفسها تربطها شراكات استراتيجية وثقافية واسعة مع مختلف العواصم الأوروبية والغربية، ولم يصدر عن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية أو الدولة اليونانية أي موقف احتجاجي أو قراءة سلبية لهذه المبادرة المغربية.

بل على العكس، فإن نجاح “الأسبوع المغربي في أثينا” أكد مرة أخرى أن المملكة المغربية أصبحت فاعلاً ثقافياً وحضارياً يحظى بالاحترام داخل الفضاء المتوسطي، بفضل نموذجها الفريد في التعايش الديني والثقافي، والذي يشكل بيت الذاكرة بمدينة الصويرة أحد أبرز تجلياته.

إن المغرب، الذي حافظ عبر قرون على التعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين، لا يحتاج إلى دروس في ثقافة الحوار أو احترام الرموز الدينية، لأن هذه القيم جزء أصيل من شخصيته الحضارية ومن تاريخه العريق.

ومن المؤسف أن تحاول بعض الجهات، سواء عن جهل أو بسوء نية، فتح الباب أمام حملات التشكيك والتأويل العدائي، في وقت تحتاج فيه المنطقة المتوسطية إلى مزيد من الجسور الثقافية والروحية، لا إلى إعادة إنتاج صراعات تاريخية تجاوزها العالم منذ عقود.

وفي خضم هذا النجاح الثقافي والدبلوماسي المغربي بأثينا، يبرز تساؤل مشروع حول توقيت إثارة هذه الضجة بالذات، خاصة في ظل تزامن “الأسبوع المغربي” مع تحركات ثقافية موازية حاولت بعض الأطراف الإقليمية من خلالها خلق نوع من المنافسة والتشويش على الحضور المغربي المتنامي داخل الفضاء المتوسطي على رأسها الجزائر.

فليس خافياً أن نجاح الدبلوماسية الثقافية المغربية بات يزعج جهات عديدة، خصوصاً بعدما أصبحت المملكة تفرض نفسها كقوة ناعمة تحظى بالاحترام والتقدير دولياً، بفضل نموذجها القائم على التعايش والانفتاح والاستقرار.

ومن هنا، فإن تضخيم مبادرة رمزية للتعايش وتحويلها إلى نقاشات لاهوتية وصراعات تاريخية بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم أجندات تسعى إلى التشويش على صورة المغرب ومؤسساته ونجاحاته الخارجية.

لكن الواقع ظل أقوى من حملات التهويل، إذ نجح “الأسبوع المغربي في أثينا” في إيصال رسالة حضارية واضحة: المغرب سيظل أرضاً للتعايش، وجسراً بين الحضارات، وصوتاً للاعتدال والحوار داخل فضاء متوسطي يبحث اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عن المعنى والاستقرار.

https://anbaaexpress.ma/0ags3

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى