آراءثقافة
أخر الأخبار

مأزق الخطاب الدعوي المعاصر

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بامتلاك الجرأة على مراجعة المسلمات البشرية التي تراكمت حول النص

يعيش الفضاء الثقافي المعاصر حالة من الارتباك الناتج عن هيمنة خطابات دعوية تفتقر إلى العمق المعرفي والمنهج العلمي، مما أفرز فجوة عميقة بين جوهر القيم الدينية وبين الممارسة الاجتماعية التي طغت عليها السطحية وغياب النقد الذاتي الرصين، وهذا الوضع يفرض علينا مساءلة المرجعيات الفكرية التي تتصدر المشهد اليوم وتوجّه الوعي الجمعي في ظل غياب المثقف العضوي وانحسار دور العلماء الراسخين.

فكيف ساهم انفلات الخطاب الدعوي من ضوابط المنهج في تعزيز انغلاق الأفق وتشويه صورة الدين أمام تحديات العصر، وما هي السبل الكفيلة باستعادة التوازن المفقود بين سلطة العقل وروحانية النص لضمان تجديد حقيقي يتجاوز الشعارات البراقة؟

لا يستقيم نقد الواقع الاجتماعي دون مراجعة عميقة لمنظومة الفكر الديني السائدة، فالخطاب الدعوي المعاصر يبدو في كثير من جوانبه منفلتاً من ضوابط المنهج العلمي، وذلك يعود إلى تراكمات من التصورات السطحية التي غيبت المقاصد الكلية، وهو ما حذر منه محمد عابد الجابري في كتابه تكوين العقل العربي، حين شخص عجز العقل عن الإنتاج واكتفائه باجترار الشروح والحواشي.

نحن لا نستطيع إنتاج وعي جديد إذا ظل الداعية يضطر لإعادة إنتاج الأجوبة الجاهزة أمام أسئلة العصر المقلقة، مما تسبب في تعفن الكثير من الرؤى التي ترفض التجديد وتخشى المساءلة، فالحداثة الحقيقية كما يراها طه عبد الرحمن في كتابه روح الحداثة، هي إبداع لا تقليد، والجمود ليس إلا إعادة لإنتاج التبعية الفكرية.

ولا يمكن فصل هذا الركود عن طبيعة الممارسة الدعوية، لأن ذلك مرتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور فاعل ديني كثير الاحتجاج على منجزات الحداثة من موقع الجهل بها، حيث يسجنه أفق ضيق يجعله يحرج دينه بسبب تقديمه للجمود كأنه أصل من أصول العقيدة، متناسياً ضرورة التمييز بين النص البكر والتأويلات البشرية له، وهي الإشكالية التي فككها محمد أركون في تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مبيناً كيف تتحول التفسيرات الجامدة إلى سجون حقيقية للفكر.

هذا النموذج الذي يزعم أنه يستعين بالعلوم الإنسانية أو يتذوق الفنون لترقيق الوعظ، هو في الواقع لا يملك مختبراً لصناعة المفاهيم، ولا أدوات البحث الرصينة أو المناهج النقدية، بل يعاني من خلل في ترتيب الأولويات، إذ يشير مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة، ص 65، إلى أن تقديس الأشخاص وتغييب الأفكار هو ما يعطل حركية المجتمع نحو التطور.

لابد أن يخرج العلماء الحقيقيون إلى الواجهة لاستعادة الفضاء العام، لأنهم يملكون عقلاً حصيفاً يوازن بين الثوابت والمتغيرات، وهم في ذلك يختلفون عن الدعاة الذين يخلطون بين الوعظ والبحث العلمي، فمن هؤلاء الدعاة من مستواه التعليمي ضعيف، ولا يملكون شواهد أكاديمية تضبط مساراتهم الفكرية.

وحين يواجهون بهذا النقص يتذرعون بتلك الحجة التي يرفعون فيها نموذج العقاد كدرع واقٍ ليقولوا إن العبقرية والفكر لا يحتاجان إلى شواهد جامعية، متناسين أن حالة العقاد كانت استثناءً معرفياً عملاقاً لا يقاس عليه للتغطية على الضحالة المنهجية، وهي مقارنة فاسدة تهدف إلى شرعنة الفوضى الفكرية والتنصل من الانضباط العلمي الرصين.

كذلك لابد للمفكرين من استعادة زمام المبادرة، خصوصاً وأنهم غابوا في السنوات الأخيرة عن الساحة وتركوها شاغرة للأصوات الزاعقة التي وجدت في المنصات الرقمية بيئة خصبة لتحويل الدعوة إلى صناعة محتوى تلهث خلف خوارزميات الانتشار، مما أدى إلى تغييب النظرة الشمولية التي يمتلكها المثقف النقدي لصالح نجومية دعوية تكرس التسطيح وتجعل المعيار هو عدد المشاهدات لا دقة المنهج.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بامتلاك الجرأة على مراجعة المسلمات البشرية التي تراكمت حول النص، وهو أمر يتطلب تكوين جيل جديد يجمع بين الأصالة المعرفية والتمكن من آليات التحليل المعاصر، لتحرير وجدان المتلقي من هيمنة العاطفة المندفعة وإعادة الاعتبار للمنطق والحكمة كمعيارين أساسيين للحكم على صلاحية أي خطاب.

أضحت ضرورة الانتقال من الخطاب العاطفي إلى الخطاب البرهاني ممرّاً إجبارياً لتجاوز حالة الركود الفكري التي أصابت الوعي الجمعي، وهي مهمة ملقاة على عاتق العلماء والمفكرين الذين يقع عليهم عبء ترميم الجسور المقطوعة بين المعرفة الدينية والواقع المعاصر بعيداً عن ضجيج المنصات الرقمية وضحالة الطروحات الآنية.

فإلى أي مدى يمكن للمؤسسات الفكرية والعلمية أن تصمد أمام جرف العشوائية الدعوية التي باتت تسيطر على الفضاء الرقمي وتصيغ عقول الأجيال الجديدة؟

https://anbaaexpress.ma/l7wyi

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى