شهدت الندوة العلمية التي نظمها المجلس العلمي الأعلى بالرباط في 13 ماي 2026، بمشاركة علماء المجالس العلمية بالمملكة تحت عنوان (السيرة النبوية مصدرا للعلم والعمل ومرجعا في القيم والأخلاق)، نقاشا فكريا واسعا أثارته الكلمة الافتتاحية لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد التوفيق، الذي ركز فيها على فكرة كون النبي بعث هاديا لا غازيا، وهي العبارة التي تحولت سريعا إلى منطلق لخرجات سجالية متتالية من طرف عدة دعاة، كان من أبرزها الدكتور رشيد بنكيران الذي استنكر هذا التوجّه واعتبر الطرح بعيدا عن الصواب، داعيا إلى تقديم ما يراه الحقيقة الكاملة المبنية على أن الرسالة المحمدية جمعت بين الهداية والغزو معا لإبلاغ الدين إلى العالمين.
طبعاً، هذا التنازع المفاهيمي يتجاوز مجرد الخلاف الفقهي العابر ليمس قضيتين محوريتين تستدعيان الرد والتفكيك؛ الأولى هي المحاولة المتشنجة لربط النبوة بصفة الغزو كأصل مواز للهداية، والثانية هي الهجوم العنيف الذي شنه هؤلاء الدعاة لإبطال رواية وفد ركراكة التاريخية ووسم الذاكرة المحلية بالخرافة.
ومن هنا وجب تقديم وقفة نقدية فاحصة تتجاوز السطح السجالي المباشر لتفكيك الخلفيات المعرفية والنفسية الثاوية وراء هذا التمسك الشديد بالصورة المحاربة للنبوة، مع الانتصار التام والواضح لأطروحة الوزير التي تعيد للرسالة طهرها القيمي الأول؛ مع التأكيد الحاسم هنا على أن منطلق هذا التفكيك ليس دفاعاً عن شخص الوزير أو تبريراً لموقعه السياسي، بقدر ما هو دفاع محض عن جوهر هذا الدين وحماية لرحابته الكونية من أن تُختزل في قوالب الإكراه المادي، مما يضعنا أمام أسئلة جوهرية تتطلب المساءلة والتحليل؛ كيف يتحول الغزو من سياق تاريخي فرضته شروط العصر وضرورات الدفاع إلى أصل عقدي يُقاس به صدق الانتماء للرسالة ومحبة صاحبها؟ وما هي السبل الكفيلة بتحرير الوعي الجمعي من صدمة الارتداد اللفظي التي تقدم الصكوك النفعية والمظاهر القتالية على أنوار الهداية والرحمة الإنسانية العالمية؟
يقف الخطاب الوثوقي المنكفء المتشنج عاجزاً عن استيعاب حركية التاريخ ومنطق المقاصد، فيندفع نحو محاكمة الرؤى الحضارية المجددة بأدوات تعبيرية مشحونة وعقيمة، مستخدماً لغة الإقصاء والقطع في قضايا هي في جوهرها مجالات نظر واجتهاد؛ وهو الأمر الذي يفرض على القراءة النقدية الرصينة تشريح هذه الرؤية المتطرفة وتبيان عقم منهجيتها المعرفية والنفسية في التعامل مع السيرة والتاريخ.
حقا، التباكي على غياب المظهر العسكري وسلطان السيف في القراءات المعاصرة لسيد الخلق، يعكس أزمة عميقة مستعصية لدى تيار يصر على حصر شمولية الرسالة المحمدية في فضاء القهر المادي، حارماً الدين من أبعاده الإنسانية المستقبلية ومحاولاً تسييج الوحي داخل إسقاطات عهد غابر كانت القوة فيه هي لغة الوجود الوحيدة.
وارتباطاً بهذا المأزق الفكري، تتبدى الضحالة المنهجية في هذه المقاربات الهجومية من خلال العجز الفاضح عن التمييز المعرفي الفارق بين الثابت الرسالي المقدس وبين النسبي التاريخي المحكوم بملابسات الظرف والبيئة، إذ إن اختزال نبل الرسالة الكونية في ظلال الرماح والمغازي يعكس قصوراً معرفيا يخلط بين الوسيلة والغاية؛ فالتاريخ لم يكن يوماً نصاً تعبدياً جامداً، بل هو حقل تجارب بشرية تحركت فيه النبوة وفق سنن الواقع وقوانينه السياسية والاجتماعية المعاصرة لها.
فحين خاض النبي صلى الله عليه وسلم الغزوات وعقد المعاهدات، لم يكن يؤصل لنموذج تعبدي دائم ملزم لكل العصور في تفاصيله المادية، وإنما كان يمارس تدبيراً سياسياً ودفاعياً فرضته طبيعة الفضاء الجغرافي المعقد آنك، مما يجعل من محاولة إضفاء القداسة المطلقة على آليات الغزو وجعلها موازية لجوهر الهداية نوعاً من التسطيح الفكري والخلط المعرفي الفادح الذي يستبدل الغايات بالوسائل ويفرغ الدين من مرونته وقدرته الكونية على قيادة المجتمعات نحو مراتب أرفع من السلم الإنساني.
أما البنية النفسية الكامنة وراء هذا الدفاع المستميت عن صورة النبي المحارب، فيتضح عند فحصها الداخلي الدقيق أنها تمثل حيلة دفاعية لتخدير الضمير المأزوم لتيار يعجز عن مواجهة أسئلة العصر وتحدياته الفكرية والحضارية المتجددة، فيحتمي باللغة العنيفة والخطاب الإقصائي ليعوض نقصه المعرفي واستعلاءه الروحي الزائف.
تتغذى هذه النفسية على جاذبية الجمود والتكفير المعنوي لكل قراءة تحاول إبراز الأبعاد الأخلاقية والرحمة الإنسانية، حيث يتوهم هذا العقل المنكفئ أن تجريد صورة النبي من الطابع العسكري التوسعي يمثل اعتذاراً أو تقزيماً لرسالته أمام المنظومات المعاصرة، وهو وهم ناتج عن عقدة نقص دفينة تحاول الاستقواء بالتاريخ عبر استدعاء رمزي مشوه لمظاهر القوة المادية، هرباً من كلفة الاستقامة الأخلاقية الصارمة والجهاد الحقيقي المعقد المتمثل في بناء الإنسان ونشر قيم العدل والنزاهة وصون الكرامة البشرية في واقع لا يعترف إلا بالإنجاز المعرفي والقيمي والاجتماعي.
وامتداداً لهذا التوجيه النفسي المأزوم، تتجلى الغوغائية العلمية بشكل صارخ في توظيف بعض النصوص والأحاديث النبوية وإخراجها من سياقاتها التشريعية والتاريخية لتبرير نزعة العنف والإقصاء، كأنه يريد إقناعنا بأن غاية الرسالة هي إخضاع العالم بالسيف وليس هدايتهم بالنور؛ وهو الطرح الذي يقدم خدمة جليلة لأعداء هذا الدين ويضرب الغايات الأخلاقية الكبرى في الصميم.
نصوص مثل الحديث المتعلق بالأمر بمقاتلة الناس أو الحديث الخاص بالبعث بالسيف قد قتلتها قراءات المحققين والعلماء الراسخين درساً وتفصيلاً، مبينة أن لفظ الناس هنا هو لفظ عام دخله الخصوص والمقصود بهم مشركو قريش والقبائل التي نكثت العهود وبدأت العدوان، وأن السيف لم يكن يوماً غاية تشريعية بل مقتضى سياسياً لدفع الطغيان وكسر شوكة القوى التي كانت تمنع الأفراد من حرية الاعتقاد والتفكير، وبدون هذا الفهم المقاصدي يتحول خطاب حراس النقل الحرفي إلى أداة مشوهة تعزل المنظومة الإيمانية عن أثرها الأخلاقي في تقويم السلوك الإنساني وبناء المشترك الحضاري.
في الواقع ينكشف التهافت المعرفي والنفسي لهذا الخطاب السجالي بعنف أكبر عند مناقشة مسألة الذاكرة الوطنية والتراث المحلي، لاسيما حين يندفع أولئك الدعاة بكل شراسة لإسقاط رواية وفد ركراكة ووسم الحكايات والرموز التاريخية التي تشكلت حولها هوية وتدّين مجتمع معين بالخرافة والوهم، متناسين أن التدين في تمثله البشري هو محاولة لتمثل المطلق وتنزيله على الواقع وفق الخصوصيات البيئية والاجتماعية والثقافية لكل بلد.
إن استعجال هؤلاء في رفض اللقاء التاريخي لوفد ركراكة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة النبوية وقبل الفتوحات بعقود، يعكس قصوراً فادحاً في فهم وظيفة المرويات الشعبية والوجدان الروحي للأمم؛ فهذا التراث، سواء صح من حيث الصنعة الحديثية الصارمة أو ظل حكاية رمزية، فإنه يمثل معلماً من معالم الخصوصية الحضارية وبُعداً وجدانياً يعكس رغبة المغاربة العريقة في الارتباط بالمنبع النبوي طواعية وعبر أنوار الهداية والرحمة قبل مجيء السيف وسلطان الجيوش.
فالتعلق المغربي العريق بالجناب النبوي الشريف ليس مادة للمزايدة الصبيانية ولا يفتقر إلى صكوك الغفران أو التزكيات العلمية من تيارات مستوردة لم تفهم يوماً خصوصية الوعي الديني للمغاربة؛ فهذا التراث يعزز قيم التلاحم والوحدة الوطنية التي بنيت على أسس متينة من القرآن الكريم والسيرة المحمدية العطرة، وليس مجرد مادة تخضع لطلب السجالات الضيقة وأهواء الانكفاء الفكري.
ومن أجل فتح الآفاق الفكرية المغلقة، يتأسس العبور نحو الأفق المستقبلي للقيم وفض هذا الاشتباك من خلال الوعي بأن الدين قيم مطلقة وغايات سامية تظل منبعاً نقيّاً، وأن السيرة النبوية أوسع وأرقى من أن تُسجن في قوالب قتالية محددة أو تُوظف كواجهة لتصفية حسابات إيديولوجية ضيقة تعجز عن صناعة إنسان نبيل أو بناء مجتمع سليم.
الرهان الحقيقي معلق اليوم على مدى قدرة الفكر النقدي المستنير على تهديم أصنام الشكليات الخادعة والمنظورات العنيفة، وإعادة صياغة وعي معرفي جديد يخرج بالرسالة من ضيق النزعة القتالية التاريخية نحو رحابة الفعل الأخلاقي الإنساني الذي يرى في الرحمة والصدق والعدل العبادة الأسمى والترجمة الحقيقية لسمو الروح وعالمية الهداية؛ فهل يملك حراس المظاهر الشكليّة والتفسيرات الصارمة الشجاعة الفكرية الكافية لتهديم أوهامهم والاندفاع نحو آفاق دينية مستقبلية تزاوج خلاقاً بين طهارة المنبع ونقاء المعاملة البشرية، أم سيفضلون الانكفاء الدائم في زوايا التاريخ المهجورة يجلدون ضمائر الآخرين وصناع القرار بالوهم والعنف اللفظي، تاركين الأسئلة الحية للعصر بلا أجوبة حقيقية؟




