آراء
أخر الأخبار

استرداد جوهر الدين.. من أغلال تأويل المتفيقهين

يواجه الخطاب الديني المعاصر خطراً داهماً حين يصر على تقديم إجابات قديمة لأسئلة حديثة ومعقدة مما يخلق فجوة عميقة بين المؤمن وبين عصره ويجعله يعيش في انفصام نكد بين ما يقرؤه في كتب التراث وبين ما يلمسه في واقع الحياة..

عبدالله فضٌُول 

تبدأ الأزمة الحقيقية في فهم جوهر التدين حين تتحول النصوص الروحية الواسعة إلى سجون من التفسيرات البشرية الجامدة التي تحجب عنا نور الفطرة السليم وتجعل العقل ممتلئاً بيقينيات موروثة ترفض طرح الأسئلة البسيطة والعميقة في آن واحد.

ذلك أن الخطاب الذي يكتفي باجترار الماضي ويقدس آراء الرجال كأنها وحي لا يأتيه الباطل يمنع الإنسان من ملامسة روح الإيمان الحية ويحيله إلى مجرد آلة تردد قوالب جاهزة لم تعد تلائم تعقيدات الواقع الذي نعيشه اليوم، فكيف ضاعت مقاصد الدين الكبرى وسط ركام الفتاوى الجزئية التي تضيق على الناس حياتهم وكيف تحول التواضع المعرفي الذي نادى به الأوائل إلى ادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة التي تقصي كل من خالفها.

وإن القوة الكامنة في الفكر الديني المنفتح تظهر جلياً حين يتجرد المرء من كبرياء التخصص ويدرك أن الوحي جاء ليحرر الإنسان لا ليقيده بأغلال من الفهم الضيق الذي يرى في كل جديد بدعة وفي كل تساؤل خروجاً عن الملة، إذ إن تجارب التاريخ تبرهن أن أعظم القفزات الأخلاقية حدثت حين عادت المجتمعات إلى بساطة الرسالة الأولى التي تنادي بالعدل والرحمة بعيداً عن تعقيدات المذاهب التي تفرعت وشعبت الدين حتى صار غريباً عن أصحابه.

كما أن الانشغال المفرط بتفاصيل الهيئة والشكليات وجزئيات العبادات المظهرية يشتت البصيرة عن إدراك المقاصد الكلية للدين تماماً مثل من يغرق في تحليل نوع الورق الذي كُتب عليه خطاب هام بينما يتجاهل فحوى الرسالة التي تدعوه للنجاة.

وفي هذا السياق يواجه الخطاب الديني المعاصر خطراً داهماً حين يصر على تقديم إجابات قديمة لأسئلة حديثة ومعقدة مما يخلق فجوة عميقة بين المؤمن وبين عصره ويجعله يعيش في انفصام نكد بين ما يقرؤه في كتب التراث وبين ما يلمسه في واقع الحياة، والنجاح في تجديد الفهم يولد دوماً من رحم الشجاعة في مراجعة المسلمات التي بُنيت في عصور سابقة كانت لها ظروفها الخاصة والقدرة على استلهام القيم الإنسانية الكبرى التي لا تبلى بمرور الزمن.

ولعل التواضع المعرفي يفرض علينا الاعتراف بأن فهمنا للنص هو جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب وأن الحكمة قد ينطق بها شخص بسيط لم يرتدِ عباءة العلم لكنه يملك من صفاء القلب والصدق ما يفوق أصحاب العمائم المنغلقة على ذواتها.

إن بقاء دهشة السؤال الأول في التعامل مع المعنى الديني يحمي الإيمان من التحول إلى طقوس باردة خالية من الروح ويجعل التدين وسيلة لنشر السلام والمحبة بين الخلق بدلاً من أن يكون أداة للصراع والتفرقة، فالعبرة دائماً بالأثر الذي يتركه الخطاب في سلوك الناس وتعاملهم مع بعضهم البعض بعيداً عن ضجيج الكلام الذي يملأ الفضاء دون أن يغير في الواقع شيئاً أو يمنح القلوب الطمأنينة التي تبحث عنها.

ولذلك فإن التمسك بجوهر الدين يتطلب منا اليوم تحطيم الأصنام الفكرية التي صنعناها بأنفسنا والعودة إلى رحاب التفكير الحر الذي يقدس الإنسان ويحترم عقله ويرى في اختلاف الآراء رحمة واسعة وتنوعاً يثري الوجود.

فهل نملك اليوم الجرأة الكافية لنحرر الدين من أغلال المفسرين ونعيد وصل قلوبنا بنور الحقيقة المباشرة التي لا تحتاج إلى وسطاء؟

https://anbaaexpress.ma/d9czo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى