آراء
أخر الأخبار

عادوا رغم التهديد.. الجنوب يكتب قراره بيديه

داني الأمين – بيروت

صباح نور الشهداء.

صباح المقاومة والعزّة والشرف.

صباح بنت جبيل، والخيام، وحولا، والنافورة، وعيتا الشعب، والنبطية.. وكل الجنوب الصامد الذي لم يعرف يومًا كيف ينحني.

لم يكن ذلك الصباح عاديًا في جنوب لبنان. لم يكن مشهد عودة الأهالي إلى قراهم مجرد حركة نزوح عكسي بعد وقف إطلاق نار.

كان حدثًا أكبر من توقيته، أعمق من صورته، وأوضح من أي بيان سياسي يمكن أن يصدر. عند الدقيقة الأولى لسريان وقف إطلاق النار، لم ينتظر الجنوبيون.

لم يترقبوا إشارة، ولم يطلبوا إذنًا، ولم يراهنوا إلا على يقين واحد: أن الأرض التي خرجوا منها، لن تستعاد إلا بالعودة إليها. سبقوا الشمس نفسها.

تحركوا في عتمة الليل، وكأنهم يعرفون أن الوقت ليس تفصيلاً، وأن كل دقيقة تأخير قد تعني تثبيت وقائع جديدة لا يريدون لها أن تُفرض

لكن هذه العودة، بكل ما فيها من كرامة وإصرار، لم تكن لتحدث لولا كلفة باهظة دُفعت على مدى أيام المواجهة. هنا، لا يمكن المرور مرورًا عابرًا على تضحيات الشهداء والجرحى. هؤلاء لم يكونوا مجرد رقم في نشرة أخبار، ولا تفصيلًا في سردية المواجهة. هم أصل الحكاية.

بدمائهم كُسرت محاولات فرض الوقائع. بصمودهم سقطت رهانات العدو. وبثباتهم، فُتح الطريق فعليًا ومعنويًا أمام الناس كي تعود إلى بيوتها. لولاهم، لما كان هناك “صباح عودة”، ولا لحظة تُرفع فيها الأعلام على شرفات المنازل من جديد.

الشهداء هم الذين صنعوا هذا المشهد. هم الذين حوّلوا التهديد إلى فراغ، والخوف إلى قرار، والانتظار إلى فعل.

هم الذين كتبوا، بوعي كامل، أن هذه الأرض لا تُؤخذ بالقصف، ولا تُفرّغ بالتهديد. أما الجرحى، فهم الامتداد الحي لهذه المعادلة شهود على معركة لم تكن متكافئة في الشكل، لكنها كانت محسومة في الإرادة.

في مواجهة عدو متغطرس، لا يعرف معنى الإنسانية، ولا يميّز بين مقاتل ومدني، ولا بين كبير وصغير، ولا بين صحفي ومسعف، كان الرهان دائمًا على كسر إرادة الناس.

لكن الذي حصل كان العكس تمامًا. كل استهداف، كل محاولة ترهيب، كل ضغط ميداني، كان يُنتج تمسّكًا أكبر بالأرض، وإصرارًا أعلى على البقاء.

ومن هنا تحديدًا، تتضح الصورة الحقيقية: لا تمايز بين المقاومة وبيئتها، بل تكامل عضوي نادر. هذه ليست علاقة دعم من طرف لآخر، بل حالة واحدة متكاملة، حيث يتقدّم الناس حين يلزم، وتتقدّم المقاومة حين يجب، ضمن انسجام كامل في الهدف والقرار. ما جرى في الجنوب لم يكن خروجًا عن هذا الإطار، بل تأكيدًا له بأوضح صورة.

حين عاد الأهالي، لم يكونوا في موقع مغاير، ولا في لحظة منفصلة عن خيار المقاومة. كانوا التعبير الأصدق عنه. العودة نفسها كانت جزءًا من المعركة، امتدادًا لها، وترجمة ميدانية لنتائجها. لم تكن فعلًا عفويًا فقط، بل موقفًا واعيًا يقول إن ما تحقق بالتضحيات، يجب تثبيته بالفعل.

في المقابل، لم تتوقف محاولات العدو عن فرض واقع مختلف. قصف الجسور والطرقات لم يكن مجرد رد فعل، بل جزء من خطة تهدف إلى عزل جنوب الليطاني عن باقي المناطق، وخلق فصل جغرافي يُصعّب إعادة وصل ما انقطع. إنها محاولة لإعادة تشكيل الأرض بما يخدم حساباته.

لكن هذه المحاولة اصطدمت بحقيقة أبسط وأقوى: الناس عادت.

لم ينتظروا الدولة، ولا الجيش لفتح الطرقات. لم يسألوا عن الجهوزية ولا عن السلامة الكاملة. فتحوا الطرق بأيديهم، بالحجارة، بالإرادة، وبإصرار لا يُكسر.

هذا المشهد، في عمقه، ليس فقط تعبيرًا عن شجاعة فردية، بل عن وعي جماعي بأن الزمن في مثل هذه اللحظات عنصر حاسم، وأن تثبيت الحضور على الأرض لا يحتمل التأجيل.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الدعوات إلى التريث بمعزل عن الحرص على سلامة الناس، لكنها في الوقت نفسه لم تغيّر من المعادلة الأساسية: القرار الشعبي كان واضحًا، والاندفاعة كانت أقوى من أي حسابات أخرى. لا تعارض هنا، بل اختلاف في تقدير اللحظة، سرعان ما حسمته حركة الناس نفسها.

ما يفرض نفسه اليوم هو أن لبنان أمام مرحلة تحتاج إلى قراءة هادئة وعميقة. ما حصل في الجنوب ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على اتجاهات أوسع. حين يتكامل الفعل الميداني مع الحاضنة الشعبية بهذا الشكل، تصبح المعادلات أكثر رسوخًا، وأي مقاربة سياسية تتجاهل هذا الواقع تكون قاصرة.

من هنا، يصبح من الطبيعي إعادة النظر في بعض الخيارات التنفيذية المطروحة. ليس من باب التراجع، بل من باب التكيّف مع الوقائع.

أولًا، مسألة سلاح المقاومة لا يمكن التعامل معها كملف تقني أو كعنوان قابل للفصل عن السياق العام. ما جرى أعاد التأكيد أن هذا السلاح جزء من منظومة حماية يعتبرها كثير من اللبنانيين واقعية وفاعلة. أي طرح لنزعه، من دون بديل فعلي يوازيه في القدرة والنتيجة، سيبقى طرحًا نظريًا يفتقد إلى الأرضية.

ثانيًا، التنسيق بين الجيش اللبناني والمقاومة لم يعد مسألة قابلة للتأجيل أو للتجاهل. الواقع يفرض صيغ تعاون واضحة، تحفظ دور الدولة وتعزّز في الوقت نفسه عناصر القوة الموجودة. إدارة هذا التنسيق بذكاء يمكن أن تشكّل عنصر استقرار لا مصدر إشكال.

ثالثًا، الحاجة إلى حكومة وفاق وطني تبقى أساسية. ليس لأن الانقسام جديد، بل لأن كلفته باتت أعلى. ما جرى أظهر أن الناس قد تملأ الفراغ حين تغيب الدولة، لكن هذا ليس حلًا مستدامًا.

المطلوب دولة حاضرة، قادرة، وتستوعب كل مكوناتها بدل أن تكون ساحة صراع بينها.

رابعًا، دور رئيس الجمهورية يجب أن يُمارس ضمن الإطار الدستوري الكامل، خصوصًا ما تنص عليه المادة 49، بما يعيد التوازن إلى المؤسسات ويعزز الثقة بها.

في المحصلة، الجنوب لم يعد فقط جغرافيا مقاومة، بل مساحة إنتاج معنى. ما جرى فيه خلال هذه المرحلة أعاد تعريف الكثير من المفاهيم: من القرار، إلى الشراكة، إلى العلاقة بين الناس والأرض.

“نحن لبنانيون نعلم ان دولتنا تآمرت علينا..”

قد تحمل هذه العبارة أبعادًا مختلفة في نظر اللبنانيين، لكنها تعكس شعورًا لا يمكن تجاهله. التعامل معه بجدية هو المدخل لأي نقاش وطني حقيقي.

الجنوب قال كلمته، لا بالشعارات، بل بالفعل.

عاد أهله.. لأن من سبقهم، ضحّى كي يعودوا.

وهنا تكمن الخلاصة الأوضح: حين تمتزج التضحيات بالإرادة، لا يعود للتهديد معنى.. ولا للتأجيل مكان.

https://anbaaexpress.ma/n9ljv

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى