آراء
أخر الأخبار

صراع القناعات وسقوط الأقنعة.. قراءة في ظاهرة التنكيل بالدكتور الفايد وتأزّم الخطاب الدعوي

يستوجب الإنصاف هنا الإشارة إلى أنني، رغم عدم اتفاقي الكلي مع أطروحات الفايد، أكاد أجزم أن تماديه في الانتقاص من خصومه لم يكن إلا رد فعل عكسي على تلك المبالغة الفجة في نقده وشتمه ووصفه بلقب العشاب وصاحب السمن والقرنفل والقزبور بغرض التحقير

عبد الله فضول

لطالما ظل موضوع الأخلاق بعيداً عن دائرة انشغالي المباشر، ولم يكن يوماً يمثل هاجساً يؤرق سكون فكري لسبب يبدو ظاهراً وخفياً في آن واحد، وهو أننا نشأنا ونحن نتنفس هذه الأخلاق ونمارسها كفطرة بديهية وسلوك تلقائي يسري في تفاصيل حياتنا دون حاجة إلى تنظير معقد أو تكلف مجهد، حيث كانت القيم تسكن الضمائر وتوجه المعاملات بوقار صامت يعكس عمق التربية وأصالة المنبع.

غير أن هذا الهدوء الفطري الذي ركنت إليه النفس طويلاً سرعان ما تزعزع بعنف حين اصطدمت بمقاطع صادمة في تيك توك وانستغرام، حيث يفيض الخطاب بشتائم وتكفير ولعنات تصدر عمن يُفترض أنهم حماة الفضيلة وسدنة الإيمان، مما كشف عن هوة سحيقة تفصل بين جوهر القيم الأصيلة وبين واقع مشوه يرتدي قناع التقوى ليمارس أقسى أنواع العدوان اللفظي وأبشع أشكال الازدراء الإنساني.

فكيف تحول الوعظ من رسالة تربوية تهذيبية إلى أداة للصراع والإقصاء المعنوي؟ وما هي تداعيات هذا الانحدار السلوكي على وعي المتابعين الذين نصبوا أنفسهم قضاة على ضمائر الخلق؟

تتجلى الإجابة عن هذه التساؤلات في مراقبة سلوك هؤلاء الذين يشتمون ويسبون وهم غارقون في وهم خادع بأنهم يغضبون لله، وكأن الطريق إلى مرضاة الخالق لا يمر إلا عبر إهانة المخلوق وتجريح كرامته، وهذا التصور المشوه يحول الغيرة على الدين من طاقة بناءة تسمو بالروح إلى اندفاعات عدوانية تبرر لنفسها استباحة الآخرين تحت مسميات مقدسة.

يتضح هذا العطب العميق في تحول الكثير من الوعاظ عن رداء الإرشاد والنصح باللين إلى ارتداء دروع المحاربين الذين يخوضون معارك شرسة لا تبقي ولا تذر ضد كل من يجرؤ على مغادرة عباءة آرائهم، ويبرز نموذج التعامل مع الدكتور الفايد كشاهد عيان على هذه الممارسة التي لا تكتفي بالخلاف العلمي بل تتجاوزه نحو الاغتيال المعنوي الممنهج، فبين عشية وضحاها استُبدلت ألقاب العالم المتمكن والمفكر الفذ بصفة العشاب وصاحب السمن البلدي والقرنفل والقزبور التي يلقونها في وجهه بتهكم وازدراء، حاصرين معرفته في مجرد وصفات بدائية لمجرد أنه فكر خارج النسق المرسوم له.

يستوجب الإنصاف هنا الإشارة إلى أنني، رغم عدم اتفاقي الكلي مع أطروحات الفايد، أكاد أجزم أن تماديه في الانتقاص من خصومه لم يكن إلا رد فعل عكسي على تلك المبالغة الفجة في نقده وشتمه ووصفه بلقب العشاب وصاحب السمن والقرنفل والقزبور بغرض التحقير، مما جعل الحدة تقابل بالحدة والازدراء بالازدراء في دائرة مفرغة من التراشق يغيب فيها العقل ويضيع فيها وقار العلم.

وتتجاوز هذه الصراعات حدود السجال الفكري لتصل إلى عمق العقيدة، حيث ينبري الدعاة للتصادم العنيف فيما بينهم حول قضايا الأسماء والصفات الإلهية، مقحمين الجمهور في متاهات كلامية وتفاصيل لاهوتية معقدة لا تفهمها العامة ولا تستسيغها الفطرة البسيطة التي تعبد الله بيقين المسلم وكفى، بينما يحول هؤلاء الذات الإلهية إلى موضوع للاختلاف والتموقع المذهبي، ويمتد هذا النزاع العبثي ليشمل حتى تفاصيل الصلاة وكيفياتها، مما يفتح الباب على مصراعيه لتبادل تهم التكفير والتبديع التي تملأ دروسهم وتفيض بها خطاباتهم، في مشهد ينم عن توتر نفسي حاد وغياب تام للسكينة؛ إذ يمكنك أن تلاحظ بوضوح كيف يغيب الرفق عن ملامحهم، حتى أن أحدهم وهو يمارس فعل النصح المجرد، تراه يضغط على أسنانه وتتحفز تقاسيم وجهه بتشنج غريب يطرد الطمأنينة من قلب السامع، وكأن النصيحة مغلفة بروح هجومية لا تعرف للين سبيلاً.

تكمن المعضلة الأصعب في أولئك الذين يستمعون إليهم عبر تلك المنصات، فقد تحولوا بوحي من هذا الشحن الوعظي وهذا الاحتقان السلوكي الذي يصبغه الغضب والتعالي إلى غلاة يمارسون التكفير والسب بكل جوارحهم، حيث نجح هذا الخطاب المتشنج في استنساخ نسخ مشوهة داخل عقول العامة، مما خلق جيشاً من الأتباع الذين يعتقدون أن الدفاع عن الثوابت يمر حتماً عبر النيل من المخالفين، متوهمين أن الدين مجرد حلبة للمغالبة، مما يبعدهم عن جوهر العبادة القائم على الرحمة، ويستبدله بروح قتالية ترى في كل اختلاف عقدي أو فقهي مبرراً لإخراج الآخر من دائرة الإيمان ونقض عرى الأخوة.

هذا التحول الجماعي يعكس استقالة تامة للعقل أمام سلطة الخطاب الإقصائي الذي لا يحترم كرامة المختلف مهما بلغت درجته، مما يعيد موضوع الأخلاق إلى صدارة المشهد كضرورة ملحة لحماية المجتمع من الانحدار نحو غوغائية الكراهية التي باتت تهدد فطرتنا السليمة.

يقودنا هذا الواقع المأزوم إلى التساؤل بمرارة عن مصير القيم الروحية في ظل تغول خطاب العداء، فهل يمكن للمجتمع أن يستعيد توازنه الأخلاقي الفطري بعيداً عن وصاية هؤلاء الذين جعلوا من الدين وسيلة للتفريق لا للتجميع؟

https://anbaaexpress.ma/faj6j

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى