ولد توفيق ابن عبد العزيز في ماردين عام 1911م أما والدتي فهي ولادة عام 1926 أي اصغر من والدي بخمسة عشر عاما ويبدو أنها من شاطئ البحر الأسود في تركيا من مدينة سامسون أو جار شامبا (حسب جوجل: تُعد جارشامبا (Çarşamba) مدينة تركية هادئة تقع في ولاية سامسون على ساحل البحر الأسود، وتشتهر بكونها منطقة زراعية خصبة يمر عبرها نهر يشيل إيرماك (النهر الأخضر)، كما تشتهر بقربها من مطار سامسون تشارشامبا الدولي (SZF) الذي يربط المنطقة بالعالم، مما يجعلها نقطة انطلاق سياحية هامة لاستكشاف طبيعة شمال تركيا الخلابة)..
أما ما الذي جمع بينهما في مدينة القامشلي فخبرها في التاريخ؛ حيث دخلت الدولة العثمانية في مرحلة انحلال؛ فسميت بالرجل المريض على شاطئ البوسفور، قام اثناءها عسكري يدعى (كمال = عن جوجول: ولد مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938) في سالونيك لوالد هو علي رضا أفندي (موظف جمارك وتاجر) ووالدة هي زبيدة هانم، ونشأ في أسرة متواضعة. حصل على لقب “أتاتورك” (وتعني أبو الأتراك) من البرلمان التركي عام 1934 تقديرًا لدوره في تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، بينما لقب “كمال” أضافه معلم الرياضيات في صباه) لقب لاحقا بأبو الأتراك حيث قام بضربتين قاتلتين للإمبراطورية العثمانية الأولى بفصل السلطنة عن الخلافة أي خلافة بدون حكم، جاء بعدها الضربة الماحقة بإلغاء الخلافة وكل ما يتصل من تاريخ ومجد، لتأتي بعدها اتفاقية (سيفر) واحتلال تركيا من قبل دول أوربية شتى لتسفر عن حرب الاستقلال ولتنتهي باتفاقية (لوزان) التي كان من بنودها حدود تركيا الحالية مع إلغاء كامل للخلافة ونفي أعضاء العائلة المالكة كليا بدون عودة وولادة دولة علمانية (مع اردوجان أمكن للأحفاد أن تكتحل عيونهم برؤية توب كابي العظيم).
والآن وماذا تفعل عائلة (كنجو) في ظل هذه العواصف السياسية وولادة اتفاقية قام بها شابان من ضباط الانجليز والفرنساوية (عن جوجول: اتفاقية سايكس بيكو (بالإنجليزية: Sykes–Picot Agreement)، في 1916 هي معاهدة سرية بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، ولتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا وتقسيم الدولة العثمانية التي كانت المسيطرة على تلك المنطقة في الحرب العالمية الأولى.
اعتمدت الاتفاقية على فرضية أن الوفاق الثلاثي سينجح في هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ويشكل جزءًا من سلسلة من الاتفاقات السرية التي تأمل في تقسيمها. وقد جرت المفاوضات الأولية التي أدت إلى الاتفاق بين 23 نوفمبر 1915 و 3 يناير 1916، وهو التاريخ الذي وقع فيه الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس على وثائق مذكرات تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك. وصادقت حكومات تلك البلدان على الاتفاقية في 9 و 16 مايو 1916.).
والآن في ضوء هذه الوقائع التاريخية التي نقلناها عن موقع جوجول فهمنا ما الذي رمى والدي وأمي من تركيا إلى سوريا، سوريا الوليدة من المجهول، والمقتطعة والمنسلخة من جسم الدولة (الامبراطورية) العثمانية المريض على شاطئ البوسفور الذي مات أخيرا بإعلان الأتاتورك الذي اتفق مع الأوربيين عام 1924 على ولادة الدولة العلمانية الجديدة، وسلخها من تاريخها وثقافتها، ولعل الضربة الأشد إيلاما مالها من فواق جاءت من قتل العقل الثقافي؛ بتبني الحرف اللاتيني، وهو ما أتذكره من والدتي التي كانت تقرأ القرآن باللغة التركية وتخط بيمينها بالحرف اللاتيني، وهو ما اشار له المؤرخ البريطاني جون أرنولد توينبي بكلمته (ذلك الخبيث الذي لم يحرق الكتب في الساحات العامة كما فعل النازيين في ليلة الكريستال بل ترك الكتب تتآكل وتموت على الرفوف) وهكذا فلا يستطيع التركي قراءة أي شيء خطه أجداده؛ كما نفعل نحن بقراءة ابن خلدون في مقدمته التي كتبها عام 1377م (779هـ) أي قبل أكثر من ستة قرون.
والدي توفيق كان من النوع الهادئ فإن تكلم لم يكن بالفصيح المصقع ولا المتكلم البليغ، ولكنه كان نموذج الزوج الصالح عامل والدتي بثلاثي النجاح (الثقة والحب والاحترام) وفي داخل البيت كان نموذج الأب الصالح والزوج المثالي بالثنائي الناجح (الكريم الحليم) فلم أره ولا لمرة واحدة يرفع صوته على والدتي فضلا عن تعييرها أو التقليل من قدرها، أما أن يضرب فلم أره ولا في مرة واحدة، وإلينا انتقل هذا الخلق أعني الأولاد التسعة أن ينشئوا عائلات متزنة سعيدة فلا أباس وأزعج من زوج بخيل أو صخاب، وهو ما يذكرني بحديث عائشة عن أخلاق الرجال حين اجتمعت 11 امرأة وبدأت كل واحدة تروي عن زوجها بين بخيل وكريم وصخاب ضارب وبين من هو مثل ليل تهامة (المنطقة الساحلية على البحر الأحمر) لا حر ولا قر (برد) ولا مخافة ولا سآمة (زوج مثالي في اعتدال المزاج وطيب العشرة) وفي المقابل من نقلت عن زوج مخيف تطلق أن فتحت فمها بكلمة اعتراض، وحتى لو سكتت فهي في وضع مقلقل (إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق).
وبالمقابل هناك من وصفت زوجها بالمداعبة اللطيفة من زوج طيب الرائحة (وهذه الخصلة من ريحة التعرق والملابس والجوارب المقرفة كما يسميها المغاربة تقاشر خانزة) قالت: أظنها الثامنة (المس مس أرنب والريح ريح زرنب) وفي المقابل تروي واحدة عن زوج أشبه بالملاكم مع زوجته فإما ضربة على الرأس فشج، أو لكمة على الفك تخلع، أو كلاهما (شجك أو فكك أو جمع كلا لك).
كل هذه الرواية أتذكرها في معاملة والدي لوالدتي من كرم ولطف واحترام فنشأنا في عائلة سعيدة مرتاحين ماليا، أحسن والدي بالأنفاق علينا وإكرامنا، وكان مع والدتي في غاية الجدية أمامنا نحن الأطفال فلم نره يوما في منظر عناق وتقبيل وما يقترب من ذلك.
كان الجو جديا وديا وهو ما يذكر بحدث رسول الرحمة ص أنه كان مثل ابي زرع لأم زرع حيث أحسن إليها فهي محسودة من الجارات تنام كما تشاء وتتدلى من أذنيها الأقراط الثمينة مع أطفال يتمتعون برعاية فائقة.
إلى أين أصل في نهاية هذه الحلقة من سيرتي الذاتية؟ كان والدي حليما كريما داخل البيت وهي من أجمل الصفات، أما مع والدتي فثلاث خصال هي دعامات الزواج الناجح من الحب والثقة والاحترام فلم تغضب يوما أو حاولت الخروج من المنزل لبيت أبيها غضبا وهي المدللة، وهكذا عاشوا معا مثل روميو وجولييت ستين عاما عامرة بالحب والسعادة مع عائلة بتسعة أفراد في صحة ممتازة، باستثناء نكبة الابن البكر الذي ضربته جائحة البوليو شلل الأطفال (Polio) في أربعينات القرن الفائت وأتصورها وهي تنظر الى ابنها البكر تبكي أول أطفالها معاقا يحتاج تدريبا هائلا لبقية حياته.
أتصورها وهي في عمر المراهقة 16 عاما تبكي أول أطفالها، وينظر لها والدي المحب ويعدها بأن يبذل كل ما يملك لإنقاذ ابنها البكر؛ فيسافروا إلى حلب، ثم الجامعة الأمريكية في بيروت، والأطباء يقولون لها نفس الجملة هو فيروس خبيث يعشق الحبل الشوكي فيضرب المنطقة الأمامية منه، و ما حدث لا علاج به إلا بالتوقي منه باللقاح للأطفال القادمين، وكان ذلك حين اكتشف سالك وسابين ولحسن الحظ ثلاث أنواع من الفيروسات من النوع الذي لا يبدل جلده وينفع فيه اللقاح تماما (عن جوجول: شلل الأطفال هو
مرض فيروسي شديد العدوى يسببه
فيروس شلل الأطفال (Poliovirus) الذي يغزو الجهاز العصبي ويمكن أن يحدث شللاً تاماً في غضون ساعات. واللقاح فعال جداً ويقي من المرض بنسبة تتجاوز 99% عند الالتزام بجميع الجرعات، مما يجعله الوسيلة الوحيدة والأساسية للوقاية.) ومع أن اللقاح طور لاحقا عام 1955 فقد نجوت أنا منه وأصيب أخي الأكبر البكر لأمي ووالدي.
وحين وصل الوالدان لبيروت جاءهم رجل فقال عندي العلاج الأكيد، ثم اقتادهما لعرض البحر المتوسط وقال الان اغطسا ولدكما في المياه المالحة ولسوف يشفى في يوم وليلة. دفعوا له الثمن المغري للوصفة المغرية ورجعا وبقيت سيقان الطفل كالخرق المدلاة.
