أفريقياسياسة
أخر الأخبار

الساحل بعد كيدال: مناورات الظل بين مالي والجزائر

تدهورت العلاقات بين باماكو والجزائر بشكل لافت خلال السنتين الماضيتين كما تأزمت علنا بعد حادثة الطائرة المسيّرة قرب تينزاواتين..

دخلت منطقة الساحل، خلال الأسابيع الأخيرة، مرحلة أكثر تعقيدا من الاشتباك المفتوح بين الأمن والدبلوماسية وحروب الوكالة.

فالهجمات المتزامنة التي ضربت مالي في 25 أبريل 2026 لم تكن مجرد موجة عنف عابرة، بل بدت مؤشرا على انتقال الصراع إلى مستوى أعلى من التنسيق الميداني بين جماعات مسلحة ذات أجندات مختلفة، في بلد ما زال يحاول تثبيت سيادته على الشمال واستعادة المبادرة الأمنية.

وتبرز كيدال في قلب هذا المشهد بوصفها عقدة استراتيجية وسياسية وأمنية. فقد أفادت الجزيرة بأن هجمات 25 أبريل شملت باماكو وكاتي وسيفاري وكيدال وغاو، وأن الجيش المالي تحدث عن “جماعات إرهابية”، بينما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بالقاعدة، مسؤوليتها عن الهجمات وأكدت تنسيقها مع جبهة تحرير أزواد الطوارقية، في حين زعمت الأخيرة السيطرة على كيدال وأجزاء من غاو دون تحقق مستقل كامل من تلك المزاعم

كيدال كاختبار للسيادة المالية

لا يمكن قراءة ما جرى في كيدال بمعزل عن مسار طويل من صراع الدولة المالية مع الحركات الانفصالية والجماعات الجهادية في شمال البلاد.

فالجزيرة نقلت عن مدير في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أليكس فاينز، أن التقارير تشير إلى مشاركة كل من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد، وأن جزءا كبيرا من كيدال بدا واقعا تحت سيطرة المتمردين، وهو ما يكشف هشاشة السيطرة العسكرية المالية في الشمال رغم حملات الاستعادة السابقة.

جعل كيدال أكثر من مدينة حدودية؛ إنها نقطة قياس لمدى قدرة باماكو على حماية مجالها الترابي في مواجهة تحالفات مرنة تجمع بين الانفصال المسلح والجهادية العابرة للحدود وحليف جزائري يعمل في الظل لزعزعة أمن واستقرار النظام المالي.

وبقدر ما تسعى السلطات المالية إلى تثبيت شرعيتها عبر استعادة الشمال، فإن أي تراجع في كيدال يمنح خصومها رسالة سياسية وعسكرية بأن الدولة لم تحسم معركة السيادة بعد.

الأزمة الجزائرية المالية: من الوساطة إلى القطيعة

تدهورت العلاقات بين باماكو والجزائر بشكل لافت خلال السنتين الماضيتين كما تأزمت علنا بعد حادثة الطائرة المسيّرة قرب تينزاواتين.

فقد ذكرت رويترز أن الجزائر قالت إن قواتها أسقطت طائرة استطلاع مسلحة خرقت مجالها الجوي قرب الحدود، بينما قالت مالي إن حطام الطائرة وُجد على بعد 9.5 كيلومترات داخل الأراضي المالية، واتهمت الجزائر بعمل عدواني.

هذا الحادث أثبت بأن نظام الحكم بالجزائر أصبح الداعم الأساسي لحركات التمرد بشمال مالي والحاضن لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذي يتزعمه إياد آغ غالي المعروف بعلاقاته مع المخابرات الحزائرية.

وسرعان ما تحول الخلاف إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. فقد أغلقت الجزائر ومالي مجاليهما الجويين أمام طائرات الطرف الآخر، كما استدعت مالي وبوركينا فاسو والنيجر سفراءها من الجزائر للتشاور، وردت الجزائر بسحب سفيريها من مالي والنيجر وتأجيل تعيين سفيرها في بوركينا فاسو.

هذا التحول مهم لأن الجزائر لم تكن طرفا عاديا في الملف المالي، بل لعبت سابقا دور الوسيط في ترتيبات الشمال. لكن انهيار الثقة بعد أزمة المسيّرة، وتبادل الاتهامات حول دعم الجماعات المسلحة، نقلا العلاقة من مربع الوساطة إلى مربع التورط الأمني المباشر للجزائر.

البوليساريو والصحراء: الارتداد الدبلوماسي

تزامن التصعيد الأمني في مالي مع تحول دبلوماسي بارز في ملف الصحراء. فقد أعلن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب أن بلاده تدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية بشأن الصحراء الغربية، وأن مالي لم تعد تعترف بـ“الجمهورية الصحراوية”، بحسب رويترز.

كما أكدت وكالة الأناضول أن باماكو سحبت اعترافها بالجمهورية الصحراوية ودعمت خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الحل الأكثر واقعية”، في تحول يضع مالي ضمن قائمة الدول الأفريقية التي اقتربت من الطرح المغربي بعد سنوات من الاصطفافات الإقليمية المتغيرة.

لهذا السبب تكتسب أي رواية عن حضور عناصر من البوليساريو في الساحة المالية حساسية مضاعفة وهي المعلومة التي تم تداولها خلال الأيام الأخيرة بحكم العلاقات ذات الطابع الاجرامي المرتبطة بشبكات التهريب العابرة للحدود التي تشهد تورط عناصر من البوليساريو وعناصر أزوادية مقربة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

منصور بنعمارة و“الحاج رضوان”: اسم في ذاكرة المخابرات الجزائرية

في خلفية هذه القراءة، يبرز اسم الجنرال منصور بنعمارة، المعروف حركيا باسم “الحاج رضوان”، بوصفه أحد الأسماء المرتبطة بتاريخ جهاز المخابرات الجزائري.

فقد نشر نون بوست مادة تحليلية تصفه بأنه كان مدير ديوان الجنرال محمد مدين، المعروف بـ“توفيق”، بين 2005 و2015، وأنه من أبرز رجال الحرس القديم داخل دائرة الاستعلام والأمن السابقة.

وتشير الماد نفسها إلى أن سنة 2015 شكلت محطة فاصلة مع إنهاء مهام الجنرال توفيق وتعيين اللواء عثمان طرطاق خلفا له، ثم تفكيك دائرة الاستعلام والأمن لاحقا، مع استمرار حديث المادة عن نفوذ غير معلن للحاج رضوان داخل شبكات الدولة الجزائرية بعد تلك المرحلة.

هذا الشخص الجزائري تم استقطابه مجددا وخولت له مهمة التنسيق بين الجزائر وحركات التمرد بشمال مالي ناهيك عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

موريتانيا بين الحياد والضغط الحدودي

تظهر موريتانيا في هذا المشهد باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية على امتداد الجغرافيا الرابطة بين المغرب العربي والساحل. فالبلد يجاور مالي عبر حدود طويلة ومعقدة، ويحرص منذ سنوات على إدارة موقعه بين الحياد الإقليمي والتعاون الأمني مع شركاء دوليين.

وقد جاءت زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا في أبريل 2026 لتؤكد هذا الموقع. فقد ذكرت الشرق الأوسط أن الزيارة استمرت أربعة أيام وكانت أول زيارة دولة لرئيس موريتاني إلى فرنسا منذ 64 عاما، وأن الرئيس إيمانويل ماكرون وصف موريتانيا بأنها “الشريك الأساسي” لفرنسا في سياق تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل

هذه الزيارة تمنح نواكشوط ثقلا دبلوماسيا إضافيا، لكنها قد تجعلها أيضا عرضة لمشاكل أمنية إذا ما تدهور الوضع بمالي.

فكل اضطراب على الحدود المالية الموريتانية يمكن أن يتحول إلى اختبار لمعادلة صعبة: حماية الأمن الداخلي، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية، والحفاظ على موقعها المتوازن.

حرب الوكالة

تتقاطع في الساحل اليوم ثلاثة مستويات من الصراع. المستوى الأول عسكري، عنوانه تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتوسع هجماتها المتزامنة داخل مالي.

المستوى الثاني انفصالي، عنوانه عودة الحركات الأزوادية إلى قلب معادلة الشمال. والمستوى الثالث دبلوماسي، عنوانه تدهور علاقة مالي بالجزائر.

في هذا السياق، تصبح فرضية توظيف جماعات أو كيانات مسلحة كأذرع ضغط إقليمي واقع ليس له اذنى شك في وقوعه.

لذلك، فالأزمة المالية الجزائرية، وتحرك كيدال، والتحول المالي في ملف الصحراء، كلها عناصر تخلق بيئة سياسية تضع مستقبل المنطقة على المحك.

خلاصة

ما يجري في الساحل لم يعد صراعا محليا قابلا للعزل داخل حدود مالي. فالهجمات المنسقة في 25 أبريل 2026، وأزمة المسيّرة بين مالي والجزائر، وسحب باماكو اعترافها بالجمهورية الصحراوية، وزيارة الغزواني إلى فرنسا، كلها مؤشرات على إعادة تشكل ميزان القوى بين المغرب العربي والساحل.

وفي قلب هذا المشهد، تبقى كيدال مرآة لانكشاف الحدود وتداخل الملفات. فمن يسيطر على كيدال لا يربح مدينة فقط، بل يربح ورقة ضغط في مواجهة باماكو، ورسالة إلى الجزائر، وإنذارا إلى نواكشوط والرباط.

فالمعطيات المتاحة اليوم تسمح بالقول إن الساحل دخل مرحلة اشتباك إقليمي مركب سيتداخل فيه حتما قوى خارجة عن المنطقة نظرا لحمولته القوية جيوسياسيا وبتداعياته المستقبلية التي قد تهز المنطقة برمتها.

https://anbaaexpress.ma/0gaz6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى