عبدالله فضّول
تعد الأعياد في جوهرها ظاهرة إنسانية تتجاوز التحديدات الفقهية الضيقة لتستقر في عمق الوجدان البشري كحاجة ملحة لترميم التصدعات التي تخلدها الرتابة اليومية، حيث يجد المرء في هذا الميقات غطاء سيكولوجياً واجتماعياً يتدثر به الفرد ليواجه صقيع العزلة وقلق الوجود الذي تفرضه أعباء الحياة المعاصرة.
فكيف يتحول هذا الزمن الاستثنائي إلى نور عائلي يعيد صياغة الروابط الإنسانية المهترئة؟ وهل يمكن اعتبار بهجة العيد فرحة أنطولوجية تمس جوهر الكينونة وتسترجع صور الماضي الجميل لتعيد للذات توازنها المفقود وسط ضجيج المادة؟
يبزغ هذا التحول حين ينبثق النور العائلي ليضيء زوايا البيوت التي ربما أظلمت بفعل المسافات الطويلة أو الخلافات العابرة، فينسج التواصل في هذا الفضاء الزمني خيوطاً متينة تجمع الأجيال حول مائدة واحدة تذوب فيها الفوارق الفردية لصالح روح الجماعة المتآلفة التي تستحضر عبق الزمن الماضي ودفء العلاقات التي لم تكن تشوبها الحسابات الضيقة.
هذا التجمع الذي يتجاوز كونه لقاء عابراً يمثل طقساً من طقوس الاستقرار العاطفي، إذ يمنح الأفراد شعوراً عميقاً بالانتماء والأمان، ويحول البيت من مجرد جدران صامتة إلى واحة تفيض بالسكينة والمودة المتبادلة التي تظهر في عفوية اللقاء وصفاء النوايا.
يتجلى هذا المشهد بوضوح في البعد الاجتماعي للعيد بوصفه قوة ناعمة تعيد صياغة الروابط وتلم شتات الفئات المتباعدة، فعندما تلتقي الوجوه وتتشابك الأيدي يتحول العيد إلى ميثاق تضامني غير مكتوب يكرس مفهوم الجماعة ويذيب الفردانية المنعزلة التي فرضتها سرعة العصر وازدحام المدن.
إن الانخراط في هذا النسيج الكلي للمجتمع يعمل كآلية فعالة للاندماج، حيث تبرز قيم التكافل والمشاركة التي تكسر حواجز الطبقية والانعزال، مما يخلق روحاً عامة تسودها الألفة ويحول المجتمع إلى كيان عضوي يتنفس من خلال الفرح المشترك وجبر الخواطر المنكسرة بروح ملؤها الأمل.
أما على المستوى الوجودي، فتتسم الفرحة التي يحملها العيد بكونها فرحة أنطولوجية بامتياز ترتبط بالتحرر من قيود الزمن الخطي الرتيب والدخول في زمن دائري احتفالي يقدس الحياة في حد ذاتها بعيداً عن صخب المصالح الزائلة.
يختبر الإنسان في هذه اللحظات شعوراً بالامتلاء وكأنه يجدد ميثاقه القديم مع الوجود، مستحضراً تلك اللحظات الصافية التي كان فيها العيد يعني البساطة والصدق المطلق، مما يرمم الروح ويمنحها القوة للاستمرار، مذكرة إيانا بأن كينونتنا لا تكتمل إلا بالانفتاح على الآخر وبالقدرة على استشعار الجمال في أبسط التفاصيل المشتركة التي تمنح للعيش معناه الحقيقي.
يظل العيد ذلك الغطاء الدافئ الذي يحمي إنسانيتنا من التآكل بفعل الجفاء، فهو يمنحنا الفرصة لنكون أكثر قرباً من ذواتنا ومن الآخرين، محولين الزمن العادي إلى زمن مقدس يفيض بالقيم التي لا تنتهي بانتهاء أيام الاحتفال بل تزرع فينا بذرة التسامح لتثمر طوال العام.
هكذا يستعيد العيد بريقه كفعل مقاومة أصيل ضد طغيان المادة، ليؤكد أن الروابط الإنسانية الصادقة والذكريات الطيبة هي المنبع الحقيقي لنور الوجود وهي الحصن المنيع الذي يحمي الفرد من ضياع الهوية والشرود في دروب التيه.
ويبقى التساؤل المفتوح أمامنا هو هل تنجح الأجيال الصاعدة في الحفاظ على هذا الجوهر الأنطولوجي والاجتماعي للعيد في ظل تغول العزلة الرقمية وسيادة القيم الاستهلاكية التي تكاد تجعل من العيد مناسبة للمظاهر الخارجية لا للجوهر الروحي الذي ورثناه عن أسلافنا؟




