
أنا جراح قضيت من عمري أربعين سنة في الطب والجراحة، كان منه في جراحة الأوعية الدموية ربع قرن ختمت بها مهنتي باتجاه التقاعد وفي النفس غصة أن لم يكن عندي عيادة مستقلة، والسبب هو أننا اشتغلنا عند الإعراب مهددين في كل لحظة بنهاية العقد في ثلاث كلمات (يوصى بعدم تجديد عقده؟)، بنفس الوقت غادرنا ألمانيا وخسرناها، وفي كندا سد يأجوج ومـأجوج من نقابة الأطباء أمام دخول سوق العمل الطبي فلا تستطيع له نقبا.
عمليا حصلت أرفع اختصاص أوربا، وكسبت الجنسية الكندية دار مقامة وكرامة وراحة في الشيخوخة، وعركتنا الحياة العملية مع البدو فعانينا حتى كتب الله لنا الخلاص من دارهم الخطيرة غير مأسوف عليهم.
الجراحة هي مهنتي وخاصة الأوعية الدموية لذا أعرفها حق المعرفة وأعرف كهوفها ومخاوف الجراحين العامين من النزوفات. ولعل العلم في هذا الفن هو الجراح اللبناني الأصل الأمريكي دبغي جدير بتعريف القاريء عنه.
ميشيل إلياس دبغي من عائلة لبنانية مهاجرة إلى أمريكا قفز إلى الصدارة في ممارسة جراحة الأوعية الدموية كما فعل المصري مجدي يعقوب. وهكذا فلو بقيا كلاهما في الشرق المنكوب لماتت المواهب.
وهكذا تفعل البيئات المشجعة وأنا شخصيا جربت حظي في التدرب في جامعة دمشق فيما عرف بالدراسات العليا فكانت في حقيقتها سفلى بامتياز. اسمه (دبغي) فهل كان جده يعمل في تجارة الجلود ودباغتها؟ هذا يحتاج لبحث تاريخي وتتبع أصول العائلة في لبنان المنكوب بكل مرض.
فمع عام 2021 أصبحا لبنان بلد فاشل من حيث هربت عائلة دبغي وأنا شخصيا تدربت في مشفى المقاصد فيها في بيروت فكانت لبنان ألماسة تلمع وإن كانت ملاحظتي عليها روح مادية خطيرة ولعلها كانت البؤرة التي انفجر منها الطاعون والحرب الأهلية والاقتتال المذهبي والانهيار الكامل بل وانفجار قنبلة ذرية مصغرة في ميناء بيروت من نترات الامونيوم التي كان يستخدمها الحزب الطائفي هناك لقتل السوريين بالبراميل المتفجرة.
ومما روى لي زميلي الدكتور الأتاسي الذي زار المركز الذي كان يقوده ميشيل دبغي الذي توفي في 11 جولاي 2008 م بعد أن عاش 99 سنة؟ فقال: في أواخر التسعينات كنت أتردد على مشفى جامعة بيلر Baylor في هيوستن- تكساس، حيث يعمل زوج أختي جراح الأوعية الدموية، و كنت أدخل معه إلى غرف العمليات للمشاهدة و التعلم.
كان هناك طبيب عجوز نحيل الجسم جاوز التسعين من عمره، يرفض أن يعترف أنه قد هرم، فيلبس قفازاته الجراحية، التي صممت خصيصا على قالب يده، و يبدأ بانتزاع اللويحة الوعائية atheroma)) من مفترق الشريان السباتي، بعدما يكون الأطباء الأصغر سنا قد فتحوا رقبة المريض وكشفوا الشريان السباتي.
لم يكن هذا الرجل إلا (مايكل دبغي) الأمريكي الجنسية اللبناني الأصل، و الذي بدأ حياته الطبية عندما كان فليمنع يكتشف البنسلين!
بحث دبغي عن خليفة له داخل أمريكا سنين طويلة، فلم يجد الشخص المناسب، وفي عام 1976 بينما كان يزور بغداد، تعرف على طبيب شاب يدعى (حازم صافي) لمس فيه النجابة؛ فدعاه إلى الولايات المتحدة لينخرط في مشفاه، و خلال سنوات أصبح صافي المسئول عن الأطباء المتدربين في جراحة الأوعية الدموية خلفا لدبغي.
لم يكن صافي أقل قسوة من دبغي مع متدربيه – و منهم زوج أختي- تبدأ حياة المتدرب بمعسكر مغلق في المشفى لمدة شهرين، لا يخرج منها لأي سبب، و يسمح بالزيارات العائلية مرة في الأسبوع.
يبدأ العمل اليومي الخامسة صباحا، و كثيرا ما يستمر حتى الثانية عشر ليلا، ومازال الأمريكيون الشعب الأكثر عملا بعدد الساعات، إذا يتجاوز المعدل السنوي 1800 ساعة، متفوقين حتى على اليابانيين المشهورين بجديتهم و تحملهم لساعات العمل الطويلة.
عاش دبغي على هذا المنوال من العمل الشاق طوال حياته، مما يجعلني أشك في أن التعب و النصب و قلة النوم ينقص من العمر، و إلا لما عاش دبغي قرنا من الزمان.
وفي عمر الخامسة و التسعين أصيب دبغي بانفصال أبهري aortic) dissection) واحتاج إلى تدخل جراحي لإنقاذه، و الطريف أن دبغي كان رائد هذا النوع من العمليات، و التي كانت تسمى باسمه، و الأطرف من ذلك أنه رفض التداخل الجراحي.
ولما ساءت حاله و فقد الوعي، قرر الفريق الجراحي في المشفى إجراء العملية، بعد أن استحصلوا على موافقة من اللجنة الأخلاقية للمشفى، وأدخل إلى غرفة العمليات، و كان أكبر مريض تجرى له هذه العملية.
و نجحت العملية و عاش بعدها عدة سنوات،ومن الطريف أيضا أنه عمل لزوجته عملية، فماتت تحت مبضعه، ولم تنجو المسكينة، مع أن العرف الطبي لا يشجع قط، أن يجري الجراح عملية لأحد أفراد عائلته، لتدخل العاطفة مع الموضوعية..
ومن أصعب و أغرب العمليات التي كانت تجرى في هذا المشفى عملية تدعى القوس الأبهري aortic arch surgery))، و هي عملية ينقطع فيها الدم عن الدماغ، و تنخفض حرارة المريض إلى 18 مئوية، مما دفع كثيرا من الأطباء للتفكر و الإيمان بوجود الروح التي لولاها لمات المريض!!.
مع هذا يجب أن نعترف أن الإبداع العلمي يحتاج لوسط، فلو بقي يعقوب في دلتا النيل، لما أخذ لقب ملك القلوب.
وكذلك حال المصري (أحمد زويل) الذي نال جائزة نوبل لتفتيت الزمن إلى الفيمتو ثانية، فلو ولد زويل في صعيد مصر وبقي هناك لكان موظفا في البريد، أو خبير جناين، أو حمالا في سوق الخضرة ؟ أو في أحسن أحواله أستاذا في الجامعة يتثاءب في المحاضرة هو وتلامذته من فرط النعاس؟
ومن رفع شأنه هو الوسط العلمي في أمريكا.. وهكذا فالعبقرية لها أرض، ومالك بن نبي يعتبر أن الحضارة ومعها العبقريات عندنا قد ودعت الأرض منذ أيام ابن خلدون، فنحن حاليا لم ندخل مرحلة الدولة والعصر والإبداع، فهذه حقيقة موجعة يجب الإقرار بها، بعد نوم آباءنا الطويل وعلينا دفع فرق الدين الحضاري؟
ومنها قصة اللبناني الدبغي، فلم يكن ليصل إلى ما وصل إليه، لولا أنه ركب الجامبو الأمريكية.. يقظة للغافلين وآية للمتوسمين..
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم..



