
ويظلّ السؤّال قائما: هل سنباشر هذه الظاهرة – مع تساهل في المفهوم – باختصاصات متفرقة كما لو كنّا بصدد إعداد خزّان لمجموع المقاربات المتاحة؟
هنا طبعا لن نقف عند ثنائية الشمولية أو الواحدية في القراءة، فهي قضية أشبعت بحثا واستقرّ المقام على نجاعة المقاربة الشمولية، لكننا سنتحدّث هنا عن التركيب الخلاّق المطلوب لتعددية المقاربة، فالشمول لا يتحقق بالقراءة التعددية الجامدة، بل يتحقق بالقدرة على تركيب المقاربات. ليس كل قراءة تسمح بتعدد المقاربات هي قراءة شمولية، هذه الشمولية متوقّفة على القدرة الذّهنية للباحث في إنجاز التركيب الخلاّق والعبور بالمعنى من داخل قهر الاختصاص وسلطانه إلى التجاوز الخلاّق، ومن التهجّي المدرسي للمفاهيم إلى المهارة اللاّزمة لتدبير المفهوم، وهذه خاصية ناذرة، بل تكاد تنعدم تماما في مجال دراسة ما يسمى بالظاهرة الدينية وخطابها بأدواة العلوم الإجتماعية المتاحة، مما يجعل القراءة غير نهائية أو حاسمة في انتظار المزيد.
نعتبر المقاربة الشمولية هي القراءة التي تنسجم مع تعقيد الواقع، شريطة أن لا تقع في التعددية الجامدة التي تتيحها “التمثّلات/التمثيليات” المدرسية، هنا التجاوز يبقى قضية ملحّة وبه يقوم التركيب: التمثيل الضوئي الضروري لنمو الأفكار وليس التمثيل المسرحي الذي يفقد المفاهيم أصالتها وعمقها ونجاعتها. هذا يجعلنا نذكّر بمختارنا: العبر-مناهجية، تلك التي لا نراها منهجا قائما ضدّ منهج آخر، بل هي الرحيق المختوم لكل المناهج بما فيها الآنارشية، فهي حصيلة تفاعل خلاّق وتناقضي أحيانا بين خطاب المنهج وضدّه، واحدية المنهج وتعدديته، البين-مناهجية والجمود المناهجي. إنّ شرط الإبداع في أي مقاربة هو تجاوز الباراديغم التّعلّمي أو ما أسمّيه “الجهل التّعلّمي”، فثمّة مستويات من الجهل – وأخطره الجهل المركب- ناتج عن هذا الإسترخاء التّعلّمي، وهذا الجهل المقنّع يفرض على الفرد مثلما يفرض على الجماعة استيعاب ثلاث مراحل:
– المدرسية(scolaire)
-المدرسانية(scolastique)
العبر-مدرسانية(trans-scolastique)
ويبدو أنّ الغالب على المقاربات في بيئاتنا، هو المُعاقرة المدرسية للمفاهيم، إذ أننا لم نبلغ حتى المدرسانية في تعميق مقارباتنا، نحن نخضع الظاهرات لتهجّي المفاهيم وتنزيلها مدرسيا وليس حتى مدرسانيا بينما المطلوب البلوغ بها إلى مراحل العبر-مدرسانية. وسنجد هذه الظاهرة هي نفسها موضوع دراسة لم تقم بعد، كيف نضع ظواهرنا أمام هذا التجريب المدرسي كما نلاحظ ذلك من خلال ما تتيحه مراكز الأبحاث والدراسات التي نجد من الجدير أن نصنّفها في خانة أدوات إعادة إنتاج الخطاب، وإحدى أهمّ تجلّياتها حين تقاوم العبر-سكولاستيكية بأشتات من التمارين المدرسية تتيحها المراكز غير المعنيّة بالتّطوّر المعرفي والعلمي والنّهضة.
وكما في التجارب الشخصية فإننا كتجربة جماعية وتاريخية لم نحقق السكولاستيكية في مجالنا، نعم ، يمكننا الحديث عن تجربة الأندلس، لأنّ حواضر كثيرة ومراكز وجامعات تاريخية باشرت التّعلّمات خارج السكولاستيكية الفلسفية ولكننا نتحدث عن سكولاستيكية دينية في القرويين والزيتونة والأزهر، هذا موضوع لا علاقة له بمفهوم السكولاستيكية الفلسفية، وهنا تقف التجربة الرشدية.
لقد ارتبطت السكولاستيكية هنا بالشرق، بتقاليد السكولاستيكية ببغداد، هنا تأتي ملاحظتي للمقاربة الجابرية التي دعت للقطيعة بين المشرق والمغرب على أساس الرشدية، وهل الرّشدية سوى صدى السكولاستيكية المشرقية في الغرب الإسلامي وتحديدا الأندلس؟ هل كان الجابري يريد أن يحلّ إشكالية الحداثة العربية بسكولاستيكية الرشدية؟ وهل كانت النهضة الأوربية إلاّ عبر-سكولاستيكية وهروب من المدرسة؟ هل كانت النهضة الأوربية إرسطية أم أفلاطونية؟ لنسأل إيرازموس في قدامى النهضة ونسأل فيرابند عن كيف تطور العلم وتحديدا الفلك الغاليلي، ابن رشد هو أكبر شراح أرسطو، وليس إلاّ شارحا بيداغوجيا متينا ومستوعبا للنصوص التي وردته دون أن يقف على مصادرها اليونانية الأصلية -مدين في هذه الترجمة إلى الشرق – لم يصحح في متنها وإنما تجاوز المروق عنها، وكان مؤثّرا في الرشدية اللاتينية، وزادت الرينانية من هذا الاختزال ليس محبة في ابن رشد بل التفافا على تاريخ كامل من السكولاستيكية المشرقية، اختزال العقل المحلي في تجربة رشدية تحيلنا إلى الأرسطية: بضاعتكم ردّت إليكم.
استطاع الجابري أن يلفق بين مزاعم رينان ومزاعم هنري لاووس، الأول اعتبر الرشدية هي قمة العقلانية والثاني اعتبر ابن تيمية هو قمة العقلانية، التقى رينان مع لاووست في نقد العقل العربي، وبدا واضحا أنّ ثمة معقولا عقليا ومعقولا نقليا، وحين التقى رينان بجمال الدين الأفغاني في باريس، اعتبره بعد نقاش طويل، بمثابة فيلسوف الشرق، وكأنه ابن سينا ينبعث من جديد، لم يكن جمال الدين الأفغاني رشديّا، بل يمكن القول بأنه كان ما بعد-رشديّا. لقد كان لابن رشد أن ينفذ طلبا للأمير بوضع شروح بيداغوجية بتوسط من ابن طفيل السينوي، كيف تصبح السكولاستيكية ثورة في المعرفة؟ أرى ابن عربي وابن خلدون في المكانة التي أعطاها رينان لابن رشد، وعموما وفي التفاصيل والمباحث سنقف على ما لا تحمد عقباه، تفاصيل تعزّز الميل إلى السكولاستيكية، دافع ابن رشد عن الفلسفة – والتي كانت أرسطية مشائية في المُعاقرة العربية – دافع عن المشائية بقوة وعنف لكنه دافع كحارس سكولاستيكي وليس كفيلسوف حرّ؛ الحرية ليست فقط أن أدافع عن الفلسفة التي كانت تعني المشائية بل الحرية كيف تستطيع أن تطيح بالسكولاستيكية وتنعث الفلاسفة الممدرسن بالأصنام والعته، فعل هذا فقط: مُلا صدرا ونيتشه.
وجب أن نكون دقيقيين، فالغزّالي هاجم الفلاسفة لكنه نافح عن المنطق، وكان في تفاصيل ردوده على الفلاسفة مخطئا وأيديولوجيا لكنه في الموقف الاستراتيجي كان على حقّ، حاول ابن تيمية أن يمتاح من أسلوبه فوقع في ورطة النقض على المنطقيين وخلط كثيرا، التقليد الذي فاض عن حدّه وتجاوز مداه.
الموقف الثوري للغزالي لا ينبغي النظر إليه في تفاصيل ردوده بل في الأبعاد السياسية أيضا وهو ما يجعلني أيضا أدفع ذلك الإدعاء الذي تكرر في بيئتنا وأظنّ أنّ مصدره هو العروي، الشبهة إياها تعتبر الغزالي عازفا عن السياسة ولم يكن له رأي في القضايا السياسية، وأعتقد أنّ الغزّالي كان في صلب الحراك السياسي لعصره، بل المنظر الأيديولوجي للسلطة في عصره، مؤسس وصانع منعطفات ومنشئ لأيديولوجيا السلطة السلجوقية، فهو كان يشتبك مع أحداث عصره كجندي خفاء مسخرا المعرفة في قيام السلطة، فلقد كتب كتابا يصنف في السياسة الشرعية تحت عنوان:”كتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك”، وهذا يكفي في ردّ من اعتبر أنّه عازف عن قضايا السياسة في عصره، وقد كانت للغزالي مواقف عملية، لنتذكر أنه المشرف على المدرسة النظامية التي وضعت أسس المدرسة الأشعرية، فالأشعرية الكلامية شيء والأشعرية السياسية إن صحّ القول شيء آخر، وكان قد كتب عن فضائح الباطنية أي مواجهة الإسماعيلية وذلك في تخندق سياسي مع السلاجقة، فبغضّ النظر عن أحكام قيمة في فكر وموقف الغزالي فقد كان يصدر عن موقف سياسي حتى في معاركه الكلامية، ثم سينتهي خارج هذا الصراع حين انتهت وظيفته السياسية: نهاية غامضة وقلقة.
إنّ الغزالي ناهض الفلسفة باعتبارها سكولاستيكية ولم يوفّق في تقويض مطالبها ولا ابن رشد أمكنه إنهاء الجدل حول إشكالياتها لأنّه دافع عن المشائية وليس عن كل مذاهب الفلسفة، أي دافع عن تيار فلسفي ، عن موقف أيديولوجي داخل الفلسفة. لنُعد ابن رشد إلى ما قبل “الطّاباّج” الريناني ونمنحه وسام أفضل المشائية العربية بالفعل وآخر سكولاستيكية المشّاء ونجنّبه قصّة المُخلّص والملهم القادم للنّهضة العربية، لندرس جيدا العصر الوسيط الأوربي وتفاعلاته الحقيقية، لا يمكن اختزال حدث النهضة في غواية سكولاستيكية مكررة وذات طبيعة بيداغوجية بل النهضة هي تخارج نوعي كبير ناتج عن تداخل الكثير من العوامل بما فيها التجارية، لنتذكر فرناند بروديل وكيف نتج السقوط وضعف العالم الإسلامي بسبب تراجع العملة.
إنّ غرضنا هنا أن نحرر المقاربات من هذا الجمود، من الإختزال، من الباراديغم الذي وضعه أصحاب المشاريع الفكرية الكبرى والمهمة لكنها ليست نهائية، لم نتحرر من الإطار الذي نصبه العروي أو الجابري أو غيرهما، إنّنا أسرى نمط من التمعقل لم نستطع حتى الآن التحرر منه وننفتح على آفاق جديدة وتمعقلات أخرى، نحن سلفيون بالمزاج والطبيعة، لقد استبدلنا سلفية سبق وهجاها العروي بسلفية مستحدثة هم من صنعها، لا نستطيع أن نرى ما لم يراه هؤلاء الرواد على أهمية ما قدّموه في جيلهم، نحن نعيش على الفارق بين الأجيال الذي مرّر هذا الميراث الذي وضعنا في الجمود والمُغالطة، فضلا عن المُعاقرة المدرسية للمفاهيم مع خلوّ المقاربات من حسّ الإبتكار والجودة كما سنرى..



