آراءثقافة

فكرة السلسلة الذهبية وتشريح لحركة المجتمع

أمامنا بانوراما لفهم هذه الظاهرة من القرآن، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والكيمياء العضوية، والبيولوجيا، بل حتى علم الأدوية، نتوجّه لتسليط الضوء على فكرة (السلسلة الذهبية) كي نفهم، في ضوئها، معنى الموت الاجتماعي، وتقطع شبكة الربط الحضارية!!

ما معنى أن (معاملةً) ما في أيّ قطاع اجتماعي لا تمشي إلا بطريقة (الدفع المتتابع المستمر) مع شيء من المقبلات من (الوساطة)؟؟!! إنّ هذا المرض خطير للغاية، ومؤشّر لأزمة اجتماعية، فالعملية الاجتماعية، أياً كانت هي – شِئنا أم أبينا – وحتى تنجز، تتكوّن من سلسلة من الأفعال الاجتماعية، يقودها الأفراد الاجتماعيون، من خلال معادلة (حق – واجب)؛ أي: أنّ الواجب الذي يؤدّيه فرد في السلسلة ( أ) سيكون له حقاً.

في السلسلة (ب) مثل العلاقة بين (علاج طبي لمريض)، و(استخراج رخصة قيادة سيارة في مصلحة المرور)، و(نقل رسالة بريدية)، فالعملة؛ أي: (الخدمة الاجتماعية) هي عملة ذات وجهين (حق – واجب)، فما كان حقاً لفرد هو واجب للتأدية في ذمّة آخر.

هذه العملية الاجتماعية مهمّة في كلّ (حلقات السلسلة)، بما فيهم الفرَّاش، وحامل الأوراق؛ لأنه يكفي أن (تنام) المعاملة في (درج)، أو يضطرب التعقيم في مرحلة طبية، أو يهمل أيّ موظف الخدمة الاجتماعية، لتضطرب السلسلة كلّها، وتحلّ الكارثة!! وهذه الحقيقة القاسية والمؤسفة هي لبّ العملية الاجتماعية.

فإذا كانت (السلسلة الاجتماعية) مكونةً من عشر حلقات بين الرئيس، ومساعده، والسكرتير، والموظف المتلقي، وحامل الأوراق، والمدقق، والناسخ، والضارب على الآلة الكاتبة، وصاحب الكمبيوتر، والجالس خلف سنترال الهاتف، يكفي أن تضطرب (حلقة واحدة)، وحلقة واحدة فقط لا غير، من هذه السلسلة، كي يختلَّ العمل بأكمله، وهذه المشكلة هي أسّ الأسس في التركيب الاجتماعي، فعندما يكون الموظف متسلِّلاً دون إذن، والساعي مهملاً، والمدقق نعسانَ، والناسخ فوضوياً، والجالس على الكمبيوتر جاهلاً، والقاعد خلف السنترال نائماً؟! يكفي الخلل في (حلقة مفردة يتيمة)، ولو كانت كلّ (السلسلة) من الذهب الخالص (24) قيراطاً، لتحلّ الكارثة، وتقع المصيبة، وتتوقف السلسلة، فلا تمرّ بها (السيالة الكهربية) الاجتماعية، وبذا ينطفئ الضوء الاجتماعي، ويذهب نوره، وتحترق الآلات، ويعم الخراب، وتسود الفوضى، ويبدأ المجتمع في التحوّل إلى مجتمع… نفسي نفسي.

إنّ هذه الحقيقة المرة والموجعة هي الإصابة العصبية الاجتماعية الكبرى؛ التي تحوّل المجتمع إما إلى (مشلول) بانقطاع العصب، وإما إلى متشنّج مضطرب بإصابة العصب الجزئية، مشلول عندما يعطب العصب بالكامل، فلا يمرّر السيالة العصبية الاجتماعية، ومتشنّج بعدم تناسق عضلات الفعل الاجتماعي في اضطراب مرور السيالة العصبية حسب نسبتها، ومقدارها.

موت المجتمع لا يعني بالضرورة فناء الأفراد

إنّ النزول إلى ساحة العمل الاجتماعي مرهقة إلى أبعد الحدود، مزعجة إلى حدّ المرض، مضيِّعة للوقت دون مبرر (لأننا ملوك الزمان)؛ بل تأكل الكرامة الإنسانية أحياناً، فلا موظف يبقى خلف طاولته، ولا عامل يبقى مرتبطاً إلى عمله، والدخول إلى الطرقات هو النزول إلى ساحة الحرب يحمد الفرد فيها اللهَ، في نهاية المطاف، على السلامة، وملاحقة المعاملات جولة في بلاد (أليس للعجائب)، و(عبقر) للجن، وكأن إنجازها إزاحة جبل، والسرّ، في هذا، هو تقطع (نقط الاتصال والالتحام الاجتماعية) بين (حلقات) السلسلة الذهبية؛ التي أشرنا إليها، فلا تعود ذهبية بل تتحول إلى سلسلة (تنك)، وحديد صدئ، والصدأ، على كلّ حال، يعني: التفكك، والعودة إلى حالة (الخام الطبيعي)، فإذا اضطربت (السيالة الكهربية) الاجتماعية، وتقطعت حلقات متعددة، من سلاسل شتى، كان مؤشراً خطيراً لتدمير النسيج الاجتماعي.

وكان معناه أنّ المجتمع يبدأ يكفّ عن أن يكون مجتمعاً، بل يتحوّل إلى (مُجمَّع هزيل) و(مافيات اجتماعية)، وحوض مرعب لسمك القرش، وقنافذ البحر، والاخطبوط الاجتماعي، وهذا المرض لن يقف عند هذا الحد بل سيقضي في النهاية، حتى على تلك الجزر الطافية هنا وهناك في الأوقيانوس (المحيط) اللاجتماعي المتخبط، كما كانت حالة الإمبراطورية الرومانية في العصور الوسطى.

وفي النهاية، يصبح المجتمع أمام طريق مغلق، وعليه أن يولد من جديد، إمّا بحزمة قيم جديدة بالولادة الروحية الجديدة، كما فعل الإسلام مع (البشر الخام) في الجاهلية، حيث لم يكن يهمّ (طرفة بن العبد) إلا قدح من الخمر، وقتالات طائشة، وممارسة الزنى مع بنات الهوى، أو الذوبان، والاختفاء الكامل في مجتمعات قوية متفوقة، واندثار ثقافة المجتمع {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ} [محَمَّد: 38] وقد حدث هذا في التاريخ، ويتكرر.

https://anbaaexpress.ma/rb9gh

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى