
إعداد: إسماعيل الراجي
يقول أحد المسنين (80 سنة) عن مألات التحولات الثقافية العامة: ” أودي مشات ليام..مشات مع يام بكري..كان كلشي بالقاعدا..كلشي كان بسرو…أش بقى؟ المسخ، وقلة البركة، ودنيا مزروبة…”.
تتردد مثل هذه الشهادة في ثنايا حكايات وسرد العديد من الشيوخ والمسنون الذين يعشون معنا، وحال هذه الروايات الشفاهية، تؤكد على مفارقة زمنية بين ما يسمونه “يام بكري” والوقت الحالي؛ حيث نوستالوجيا(التوق إلى الماضي)تصدح من خلال الروايات الشفوية التي يرددها المسنون في الوسط القروي الغرباوي. ويستشف من خلال روايتهم مقاربة المقارنة بين الماضي القريب(يام بكري) والوقت الراهن وما ألت له أوضاع الثقافة عموما؛ فلا يبهجهم ما عرفه المجتمع والمجال من تحولات “عميقة” تتعلق بالحياة الاجتماعية في كل جوانبها-الثقافية بالخصوص؛ فالحنين إلى “زمن بكري”(1) يأسرهم ويخيم على مخيالهم، ولهم حنين لزمن بكري بكل تفاصيله المملة؛ من عادات وتقاليد وأماكن، وطقوس، وأشخاص…حنين لكل شيء يخص حقبة “زمن بكري “.
تلك الحقبة التي عاش فيها المجتمع القروي عموما في كنف العادات والتقاليد التي كانت بمثابة محارة تحمي المجتمع وتنظم حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية…إلخ. إن الأجيال التي عاشت هامشا من عمرها في المجال القروي الغرباوي، وفي زمن بكري، بالنسبة لها ثقافة زمن بكري هي معيار الحياة وموجه السلوك والثقافة، وهي المرجع والباقي بدع الزمن الراهن، أي أنها محكومة لا شعريا باللاشعور الجمعي(2) الذي تشكل خلال هذه الحقبة والذي يتكون من رواسب العادات والتقاليد المتوارثة جيلا عن جيل والتي آلت لهم. وهذا بالفعل ما يمثله زمن بكري في اللاشعور الجمعي الغرباوي، خاصة الأجيال التي تنتمي لزمان بكري وتعيش معنا في هذه الالفية التي مس فيها التحديث مجموعة من قطاعات الحياة. فهذا التحديث لا ينظر إليه بمنظار مفهوم التحديث ومسايرة التطور، بل يخضع بالنسبة للشيوخ لبراديغم مخيالهم الاجتماعي(3) الذي تحكمه ثقافة زمن بكري؛ التي هي رهينة وأسيرة العادات والتقاليد والتي تعبر عنها قولة “كيما القاعدا” كما تنطق بالدراجة.
والمخيال الاجتماعي الغرباوي القروي يسطو عليها بشكل شبه مطلق زمان بكري، فلا شيء ذا طبيعة اجتماعية وثقافية يخص القرى المتناثرة في المجال التي لها تاريخ في المجال، يمكن رؤيته من خارج “منظار زمان بكري”.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الانسان الغرباوي أو الشخصية الغرباوية التي تنتمي للأجيال السابقة، هي شخصية ذات كينونة رمزية مسحورة بتاريخها الصغير وثقافتها المحلية؛ تتنفس وتعيش تحت محيط الماضي أكثر من الواقع الحاضر الذي استحدثت فيه مساقات ثقافية متعددة؛ وتستخلص هذا الفهم من مجالسة جماعة الناس هناك في الدواوير: سواء كانوا عائلتك/أسرتك أو أصدقاؤك أو جيرانك … وحيث كان مكان هذا الجلوس، أكان على مائدة افطار أو غداء أو عشاء، ولو حتى على ابريق (براد) من الشاي. أما وإن كان مكان الجلوس في مناسبة فرح أو واجب عزاء(قرح)؛ فالماضي هو عينه الذي يتحدث ولا شيء غير “زمان بكري” برغم مما عرفه المجتمع من مظاهر التحديث التي كانت وراء تآكل بعض العادات والتقاليد التي كانت مقدر حق قدرها في زمن بكري.
ذاكرة بكري خطيرة وانتقائية، تحتفظ بجل تفاصيل الحياة التي عرفا المغرب خلال “الأزمنة العسيرة”؛ الحقبة الكولونيالية التي تعرضت فيها الثقافة المحلية إلى صدمة قوية من طرف الغزاة(الفرنسيين والاسبان)، فما تزال هذه الذاكرة موشومة بسلوك المعمرين الذين زرعهم الاحتلال في المنطقة ك “بغث”، “بيريز” ، “بيرو” و”كارطونا” و “بيبيطو” و “كازمير”..وغيرهم من _أسماء وألقاب _المعمرين الفرنسيين الذين شيدوا ضيعاتهم الفلاحية في السهول وعلى ضفاف الاودية الجارية في المنطقة: سبو، ورغة، رضات…إلخ.
يصف مسن عاصر المعمرين في المنطقة طريقة عمل “النصارى” (المعمرين) في المنطقة خلال هذه الحقبة في الفلاحة: “كانوا كيدخدمو شي خدمة متقونة..كنا كانڭولوا، هذوا مالهم، واش ما نوينش يمشيو بحالهم علينا …”.
وهذه الحقبة_الكولونيالية_ تعد أكبر اختبار للثقافة المحلية في جميع تفاصيلها؛ حيث حدث انبهار سكان المنطقة بكل ما يقوم به “النصراني”؛ “شوف نصارى كفاش ياكلو..شوف مرت نصراني كلابسا…إلخ”. ومع ذلك كان القرويون في المنطقة مسكونين بثقافتهم المحلية التي ولدوا في مناخها وترعرعوا على عاداتها وتقاليدها وطقوسها.
عندما يتردد على لسان المسنون، مصطلح زْمَانْ بْكْرِي، حيث هو مفتاح الحكايات والرواية الشفاهية؛ “كان بكري”، “يام بكري”، “زمان بكري”.. أي كان في الزمن الماضي.
يشكل هذا المفتاح، مقدمة الرواية الشفوية في حكي الشيوخ والمسنين عن أيام بعينها. ولا تستحضر هذه الأحاديث عفويا، بل في اطار عام، إما نقدا لما آلات له أوضاع الحياة الاجتماعية، بالخصوص في الجانب الثقافي المرتبط بأخلاق المعاملات، أو في إطار نموذج التربوي.
ومن الجدير بالإشارة، حسب بعض سياقات الروايات الشفوية؛ المتداولة هناك في بعض مناطق الغرب، أن “زمن بكري” هو محطة تاريخية ما قبل الثمانينيات القرن الماضي. أي أن زمن بكري انقضى أو أفل نجمه مع ثمانينيات القرن العشرين؛ حسب منطق فهم بعض سكان المنطقة. فمن ما قبل هذا التاريخ تضرب الأمثال، وكذا العبر، ويقارن الواقع الحياتي للفرد والمجتمع الراهن مع الماضي في نطاق الثقافة الشعبية هناك. وحقيقة هذا الماضي غير قابلة للنقد والفحص بالنسبة للفئات العمرية التي عاشت شطرا من حياتها في هذا الزمن وتشبعت بثقافته؛ بالنسبة لهم زمن بكري هو “الزمن الجميل” أو ” الزمن المتميز” أو “زمن الأباء والأجداد”، ونحوه. ودائما ما يتم استحضاره في المقارنة، ولجلد الأجيال الحالية في بعض القضايا.
حسب ما يروى عن المسنين في المنطقة يتميز زمان بكري، بتلك المعاني والمسميات والأشياء والرموز والعادات وطقوس الحياة التي سنذكر منها ما تيسر، وسنكتبها كما تنطقها الساكنة؛ بلسان الدارج، وكما تتصورها ساكنة المنطقة. وعليه، فزمن بكري(حسب فهم بعض ساكنة المنطقة) ليس في حقيقة الأمر سوى حقبة هيمنت فيها مجموعة من مظاهر التراث(4)؛ المادية وغير المادية من التقاليد والعادات الاجتماعية والطقوس التي سادت في المجتمع خلال حقبة ممتدة من أواخر نهاية القرن 19م إلى ثمانينات القرن 20م، تلك العادات والتقاليد والطقوس مارست على المجتمع سلطتها.
اﻵن نقدم بعض ملامح وأوصاف زْمَانْ بْكْرِي، سيفهم معانيها وسياقاتها كل من له رصيد معرفي عن الثقافة القروية، وحتى من يصغي جيدا لناس “بكري” واﻷشخاص الذين تمتد ثقافتهم لناس بكري.
إن زمن بكري هو : زمان الجورة؛ زمان الخيل والعود؛ زمان حُكم الجد والبُبْ؛ زمان الخير؛ زمان الطُلبة والمَحضْرة ؛ زمان الحيا و الحشمة؛ زمان الفاتحة والبركة؛ زمان الحصاد بالمنجل والدراس بالبهايم؛ زمان حمادشة، أعيساوة والفُقارة؛ زمان حْشْمْ؛ زمان الكرم والخبز؛ زمان السي والفقيه؛ زمان الشعير والزرع، والمطمورة؛ زمان العباسية والحرشة والملاوي والمطلوع والمعروف لجامع؛ زمان البرَّاد مشحر؛ زمان البردعة والشواري، والسرج؛ زمان الخيمة والكانون والمقدار والغرفة؛ زمان الشرفة والڭمرة؛ زمان الفيضان والجفاف والضر، وبوڭليب؛ زمان الحرث بالجويجة والمحراث العود؛ زمان الكشينة و ڭرُورْ؛ زمان الغياطة والطبل والبندير و التهيات بالكيسان والهيت؛ زمان قطيع البڭر والمعيز والغنم والسرحة وضرب الخريف؛ زمان الڭاعة والصابة والغمار والنادر؛ زمان الڭديد والدجاج والبيض البلدي؛ زمان يرني و المجاعة؛ زمان المرا حشاك؛ زمان الظلمة والشمع ولامبا والفتيلة؛ زمان نوبة في السرحة وتعزاب؛ زمان شهر شتا خيط من السما؛ زمان الكرموس ونبكّ؛ زمان اللبن والسْمْنْ وبركوكش وسمن الحار والخميرة البلدية؛ زمان الما في الخابية وسڭي من العين والواد؛ زمان الحوايج في التاقة والصندوقة والماعْنْ في المرفع؛ زمان حق سيدي موسى أ لالة يامنة، أسيدي عمر؛ زمان الخماس والرباع و الحراث و السارح؛ زمان تعال تشرب أتاي؛ زمان العكّوزة؛ زمان المرا المحزمة؛ زمان الڭنازة ڭنازة؛ زمان البطة الصغيرة والكبيرة والتحزام في العرس؛ زمان بوشَرْوِيط والحايك؛ زمان الحنا وتزغريت؛ زمان يد فلاح نقية؛ زمان الجلابة والبلغة والشربيل؛ زمان العطار والسوق والمّاسم؛ زمن سواك والكحل؛ زمان الشكْوة ولبن؛ زمان التويزة والشركة والزيتون؛ زمان قالها الفقيه؛ زمان الرضا والسخط؛ زمان الصالحين وضعاف؛ زمان العام زين نجوجو محمد أ علي أ الصڭع؛ زمان طلب شْتى بدراري الصغار؛ زمان الصوادق والزرود؛ زمان الشلاهبية والكلام الرباعي؛ زمان الڭرن(العرف) وكل رباعة حسنتْها(حلاقة)، زمان عياد أعياد؛ زمان الراديو والتشاش؛ زمان عين الحرث والليالي؛ زمان الزغاريت والدفوع؛ زمان الْعَبْرَة والعلاّفة والرطل؛ زمان الحيضُور والوڭيدْ؛ زمان صباح الخير وبسلخير ومساكم؛ زمان عاشورة وزمزم؛ زمان الختانة والطهارة؛ زمان عَرفة الصغيرة والكبيرة؛ زمان ليلڭاك يدعي معاك؛ زمان عرسك في شتا كتي تلحس الڭوامل؛ زمان سڭا من العيون والبيار؛ زمان المحاجيا و المعاودا؛ زمان اللهم صلي عليك ارسوله وصل على النبي والعار؛ زمان فيك الحق؛ زمان جيب الطلبة/المحضرة الحنة ديال العريس وحلوة مولاي السلطان؛ زمان الكانون والكشينة؛ زمان المقدم والشيخ وڭال القايد؛ زمان مزاوڭة؛ زمان الفقارا والزاوية، زمان الحركة، زمان موكحلة، زمان العمامة والتشامير، والسلهام، زمان الغرامة، زمان العصيدة، زمان القابلة، زمان المخزن، زمان الوشم، زمان سلطان الطلبة، والختمة، زمان الحلقة، زمان الرحى…زمان سير على الله.
المصادر
( ) يتكون هذا المفهوم المحلي من كلمتين: زْمَانْ، بْكْرِي: وهذين الكلمتين الدارجان في الاستعمال المحلي، لهما جدرهما في اللغة العربية:
– زْمَانْ : وهي في اللغة العربية « زمن: الزّمان(…) الفعل زمن يزمن و زمان(…) أزمن الشيء: طال عليه الزمان» للمزيد أنظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين(جزء الثاني)، ترتيب وتحقيق عبد الحميد الهنداوي، ط1(بيروت، دار الكتب العلمية، 2003)، ص195.
– بْكْرِي : هي لها جدر أيضا في اللغة العربية؛ « بكر أبكر واحد (…) البُكَرُ: جمع البُكْرَة وهي الغداة. والتبكير والبكور و الابتكار: المضي في ذلك الوقت. و الابكار: السيرورة فيه. و الإبكارُ : مصدر للبُكْرة، كالاصباح للصبح. وباكرت الشيء أي بكرت له» للمزيد أنظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين(جزء الأول)، ترتيب وتحقيق عبد الحميد الهنداوي، ط1(بيروت، دار الكتب العلمية، 2003)، ص 157.
(2) “اللاشعورالجمعي، عند يونغ هو ذلك الوعاء الذي يضم غرائز الفرد و مكبوتات طفولته كفرد (…) وعواطف جمعية تنتمي إلى ماضي البشرية القريب منه و السحيق(…)إنه عبارة عن رواسب دفينة في النفس البشرية ترجع إلى تجارب و خبرات النوع الإنساني الأول في الجنة (آدم و الخطيئة) (…) وما تركته فيهم حياتهم الإجتماعية في العشيرة و القبيلة و الأمة … كل ذلك يشكل عند يونغ اللاشعور الجمعي، الذي يتحكم بصورة أو بأخرى في سلوك الفرد و سلوك الجماعة”، للمزيد حول هذا الموضوع أنظر: محمد عابد الجابري. نقد العقل العربي (3)، العقل السياسي العربي. ط4(لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 10.
(3) – المخيال الاجتماعي من المصطلحات التي تستخدم في العلوم الاجتماعية، ” وبخاصة علم الاجتماع للدلالة على التصورات الجماعية التي يؤسسها المجتمع كنتيجة لتفاعلاته المتلفة مع كل ما يحيط به، والتي يتبناها كمؤطر جماعي يوجه مساراته الاجتماعية والثقافية والحضارية” طيبي غماري، تصورات الدين والثقافة والعولمة: تبريرا للحوار أو للقطيعة بين الشعوب، تبين مجلد1، عدد4(قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، 172(هامش 27)
– المخيال الاجتماعي: “هو عبارة عن شبكة من الرموز و المعايير يتم بها و فيها تأويل الأشياء والظواهر، فهو ك”المنظار” ترى من خلاله “حقيقة الأشياء” أي نعطيها معنى” محمد عابد الجابري. نقد العقل العربي (3)، العقل السياسي العربي. ط4(لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 15.
(4) مفهوم التراث يحيل «منذ القرن 13م كان التراث يحمل معنى روحيا و معنى دنيويا (…) أما الاستعمالات الحديثة لكلمة تراث فتعني أو تصف العادات و التي انتقلت عبر التقاليد (…) وهكذا أصبح التراث أكثرة شمولية حيث صار يشير الى كل ما اكتسبه المرء بحكم ظروف ميلاده » للمزيد حول مفهوم التراث أنظر: طوني بينيت و آخرون، مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافية و المجتمع، ترجمة سعيد الغانمي، ط1(بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2010)، ص 176.



