آراءالشأن الإسباني
أخر الأخبار

سبتة المحتلة: حين ارتد الفخ على مدريد

تبرز أزمة سبتة المحتلة باعتبارها أكثر من مجرد أزمة هجرة، فخلق أزمة هجرة واسعة، في لحظة سياسية حساسة، كان من شأنه أن يضع الرباط تحت ضغط مزدوج: ضغط أوروبي مباشر، وضغط داخلي مغربي ناتج عن استفزاز قضية ذات حساسية تاريخية ووطنية كبيرة

فيصل مرجاني

مباشرة بعد أحداث سبتة المحتلة، بدأت أهتم، إلى حدّ ما، بالإعلام الإسباني، الذي سرعان ما بدا لي وكأنه ينخرط في حملة ممنهجة ضد المغرب، ضمن سياق منظم ومتواصل هدفه الأساسي تحميل الرباط مسؤولية ما جرى.

غير أن التمعّن في مضمون هذه المقالات، وفي الطريقة التي تطورت بها الرواية الإعلامية والسياسية الإسبانية، يقود إلى قراءة أكثر تعقيدًا من مجرد اتهام المغرب بالوقوف وراء الأزمة.

فنحن هنا أمام أسلوب معروف في التأريخ السياسي يقوم على توريط جهة لجهة أخرى تعتبرها خصمًا، في فعل لم تقترفه، ثم استخدام ذلك الفعل ذريعة لممارسة الضغط عليها وتضييق هامش حركتها السياسية والأمنية.

وعندما نضع أحداث سبتة المحتلة ضمن سياقها الزمني والسياسي، فإن مجموعة من القرائن تبدأ في التشكل بطريقة يصعب معها التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد أزمة هجرة بسيطة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، أذهب إلى استنتاج واضح: عملية سبتة المحتلة، في تقديري، كانت عملية إسبانية استُخدمت فيها الهجرة كأداة ضغط سياسي وأمني على المغرب، وكان هدفها الأعمق توتير العمق الاستراتيجي المغربي وإرباك الرباط في مرحلة تشهد فيها المملكة تحولًا متسارعًا في موقعها الإقليمي والدولي.

ولِفهم هذه الفرضية، علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء. فبعد النجاح المغربي داخل مجلس الأمن في الدفاع عن قضيته الوطنية الأولى، ومع التطور المتسارع الذي عرفه ملف الصحراء المغربية، بدأت داخل المجتمع المغربي أصوات أكثر وضوحًا تطالب بالتعامل بالمنطق نفسه مع ملفات أخرى، وعلى رأسها الصحراء الشرقية، فضلًا عن المتطلبات الشعبية المتجددة بشأن عدم التنازل عن سبتة ومليلية المحتلتين.

وفي الوقت نفسه، كان المغرب قد شرع منذ سنوات في إعادة بناء معادلته الأمنية والدفاعية، في مسار جعله من أبرز القوى الإقليمية التي تحيط قدراتها العسكرية بالكثير من التحفظ والكتمان.

ولم يعد المغرب يتحرك فقط باعتباره دولة مغاربية ذات وزن إقليمي، وإنما بدأ يفرض نفسه تدريجيًا داخل عدد من دوائر القرار السياسي والدبلوماسي الدولي.

وهذا التحول السريع في موقع المغرب لم يكن من الممكن، بطبيعة الحال، أن يمر دون أن تراقبه إسبانيا عن كثب، خصوصًا أن المملكة المغربية كانت تعيد صياغة عدد من معادلاتها الاستراتيجية، في الوقت الذي ظل فيه ملف سبتة ومليلية المحتلتين حاضرًا بقوة في الوعي السياسي والشعبي المغربي.

ومن هنا يمكن فهم القلق الإسباني من هذا التموقع المغربي المتسارع، ليس فقط على المستوى العسكري أو الاقتصادي، وإنما كذلك على مستوى السياسة الدولية.

فالمغرب الذي كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره شريكًا إقليميًا مهمًا، أصبح يتحرك بهامش أوسع وبثقة أكبر، ويعيد ترتيب علاقاته وتحالفاته الدولية بما يمنحه أدوات ضغط جديدة.

وفي هذا السياق، تبرز أزمة سبتة المحتلة باعتبارها أكثر من مجرد أزمة هجرة، فخلق أزمة هجرة واسعة، في لحظة سياسية حساسة، كان من شأنه أن يضع الرباط تحت ضغط مزدوج: ضغط أوروبي مباشر، وضغط داخلي مغربي ناتج عن استفزاز قضية ذات حساسية تاريخية ووطنية كبيرة.

والأهم من ذلك كله هو التوقيت. فالأحداث جاءت في يوم يحمل رمزية استثنائية بالنسبة إلى المغاربة، باعتباره يوم احتفال الملك والشعب بذكرى عيد العرش المجيد. واختيار هذا التوقيت، إذا وضعناه ضمن مجمل السياق، لا يبدو تفصيلًا هامشيًا، بل يمكن قراءته باعتباره عنصرًا أساسيًا في العملية.

فالجهة التي تختار مثل هذا التوقيت تدرك جيدًا طبيعة ردود الفعل التي يمكن أن تنتج عنه داخل المجتمع المغربي، وتدرك كذلك أن أي انفجار سياسي أو شعبي حول سبتة المحتله يمكن أن يدفع الرباط إلى اتخاذ موقف حاد، وهو ما كان سيخلق أزمة أوسع مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي.

لكن هنا يظهر جانب آخر من الحساب السياسي. كان واضحًا أن المغرب، بحكم حساسية اللحظة، لن يندفع بسهولة إلى مواجهة مباشرة.

ولذلك فإن الهدوء الرسمي المغربي لم يكن بالضرورة نتيجة ارتباك، بل يمكن قراءته باعتباره إدراكًا لطبيعة الفخ ومحاولة لتفادي الوقوع فيه. وهنا بدأت المرحلة الثانية من العملية: الحرب الإعلامية. فبعد الأزمة الميدانية، تحولت المعركة إلى معركة روايات.

بدأت وسائل إعلام إسبانية في الدفع باتجاه تحميل المغرب مسؤولية ما جرى، وتحويل الأزمة من سؤال يتعلق بكيفية اندلاعها ومن يقف وراءها إلى سؤال واحد يريد أن يفرض نفسه على الرأي العام: لماذا فعل المغرب ذلك؟ وبذلك أصبحت إسبانيا، سياسيًا وإعلاميًا، في موقع من يدافع عن نفسه بدل أن تكون هي الطرف الذي ينبغي أن يُطرح حوله السؤال.

وهذا تحديدًا هو جوهر العملية التي أتحدث عنها: أن تجعل خصمك يتحول من موقع السائل إلى موقع المتهم، ومن موقع من يطالب بالتفسير إلى موقع من يضطر إلى الدفاع عن نفسه.

لكن ما أربك هذا السيناريو هو أن المغرب لم يدخل بالكامل في المعادلة التي كان يُراد دفعه إليها، بل على العكس، استطاعت الرباط أن تستثمر مناسبة ذات ثقل ديني ورمزي لدى المغاربة لإعادة طرح قضية سبتة ومليلية المحتلتين ضمن سياقها التاريخي والوطني.

فخلال الاحتفاء بذكرى المولد النبوي، جاء الخطاب الرسمي لوزير الأوقاف ليؤكد مكانة سبتة المحتلة في الذاكرة المغربية، وليعيد التذكير بأن ارتباط المغاربة بهذه القضية ليس وليد أزمة اعتيادية ولا نتيجة ظرف سياسي مؤقت.

وهنا بدأت المعادلة تنقلب، فبدل أن تصبح سبتة ذريعة لإدانة المغرب، عادت سبتة نفسها إلى الواجهة باعتبارها قضية تاريخية وسيادية مرتبطة بالذاكرة المغربية.

وهذا ما يمكن أن يفسر، في هذه القراءة، تصاعد التوتر الإسباني ومحاولة إعادة توجيه مسار الرواية. والأكثر إثارة للاهتمام أن الخطاب الإعلامي بدأ لاحقًا يعرف تحولًا لافتًا: بعدما كانت أصابع الاتهام موجهة إلى المغرب، ظهرت روايات أخرى تنفي مسؤولية الرباط وتوجه الاتهام إلى إسرائيل.

وهنا تحديدًا تظهر إحدى أكثر النقاط دلالة في القضية. فإذا كانت إسبانيا قد نجحت في المرحلة الأولى في دفع الرأي العام نحو الاعتقاد بأن المغرب هو المسؤول، ثم انتقلت في مرحلة لاحقة إلى رواية تتحدث عن مسؤولية طرف ثالث، فإن ذلك يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة ضبط الأزمة بعد أن بدأت الرواية الأولى تفقد قدرتها على تحقيق الغرض السياسي منها.

بل إن تحميل إسرائيل المسؤولية، في هذه الحالة، يؤدي وظيفة سياسية مزدوجة: فهو يبعد الأنظار عن إسبانيا، وفي الوقت نفسه يسمح بإغلاق الملف دون أن تضطر مدريد إلى مواجهة الأسئلة الحقيقية المتعلقة بكيفية اندلاع الأزمة وتوقيتها والجهات التي استفادت منها.

ومن هنا فإنني لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: هل كان المغرب هو من يقف وراء أحداث سبتة المحتلة؟ بل إن مجمل السياق الذي سبق الأحداث، وتوقيتها، وطبيعة الأزمة التي أعقبتها، والحملة الإعلامية التي استهدفت الرباط، ثم التحول اللاحق في الرواية وتحميل إسرائيل المسؤولية، كلها تقود إلى استنتاج سياسي أكثر وضوحًا: أن إسبانيا هي الجهة التي ينبغي أن توضع في قلب هذه العملية، وأن ما جرى في سبتة كان، في تقديري، عملية مدروسة استُخدمت فيها أزمة الهجرة كأداة لتوتير العمق الاستراتيجي المغربي، وإرباك الرباط، ودفعها إلى رد فعل كان من شأنه أن يمنح مدريد والاتحاد الأوروبي مبررات سياسية ودبلوماسية لممارسة ضغط أكبر عليها.

وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحًا، فإن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو النظر إلى أحداث سبتة باعتبارها مجرد أزمة حدودية أو أزمة هجرة.

لقد كانت، في جوهرها، محاولة لإعادة رسم موقع المغرب داخل المعادلة الإقليمية من خلال الضغط على أكثر نقاطه حساسية: أمنه، وحدوده، وذاكرته الوطنية، وعلاقته بأوروبا. لكن المفارقة أن العملية التي كان يفترض أن تربك المغرب أنتجت، في المقابل، وعيًا أكبر بطبيعة الصراع الاستراتيجي المحيط به.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية سبتة المحتلة: ليس فقط في ما حدث على الأرض، وإنما في ما كشفته من صراع أعمق حول المغرب الجديد، وحول حدود الدور الذي أصبح يطمح إليه، وحول الأطراف التي بدأت تنظر بقلق إلى هذا التحول.

https://anbaaexpress.ma/1xssl

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى