الشأن الإسبانيتقاريرسياسة
أخر الأخبار

تقرير استراتيجي: أزمة سبتة.. عندما تتحول الهجرة إلى اختبار للعلاقات المغربية الإسبانية

أصبحت سبتة نقطة تقاطع بين خمسة ملفات: الهجرة، والأمن، والسيادة، والسياسة الإسبانية، والعلاقة المغربية الأوروبية..

إعداد: مركز أنباء إكسبريس للدراسات والأبحاث

أعادت موجات العبور الجماعي نحو سبتة ملف المدينة إلى صدارة العلاقات المغربية الإسبانية، محوِّلة قضية الهجرة من ملف أمني وإنساني إلى أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها السيادة والحدود والأمن والسياسة الداخلية الإسبانية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

وأظهرت التطورات اللاحقة أن الأزمة لم تكن محصورة في التدفق البشري، بل امتدت إلى نقاش حول جاهزية أجهزة الدولة الإسبانية، بعد الكشف عن تحذيرات استخباراتية سبقت الأحداث، وإلى جدل حول طبيعة الدور المغربي، دون أن تقدم الحكومة الإسبانية دليلاً حاسماً على أن الرباط خططت للعملية.

وفي موازاة ذلك، أعادت تصريحات صدرت عن بعض المسؤولين الحكوميين بالمغرب بشأن سبتة ومليلية ملف السيادة إلى الواجهة، بينما استُخدمت الأزمة داخل إسبانيا في الصراع السياسي حول الهجرة وأمن الحدود.

وتكشف الأزمة، في جوهرها، أن ملف سبتة لم يعد قابلاً للفصل عن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، وأن إدارة هذا النوع من الأزمات تتطلب الجمع بين البراغماتية السياسية واليقظة الأمنية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

1. سبتة.. من أزمة هجرة إلى اختبار استراتيجي

شهدت سبتة في نهاية يوليوز موجة عبور جماعي واسعة، شارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص وفق تقديرات مختلفة، ما أحدث ضغطاً استثنائياً على المدينة وأعاد الهجرة إلى مركز العلاقات المغربية الإسبانية.

لكن حجم الحدث لم يكن العامل الوحيد في أهميته. فالأزمة سرعان ما انتقلت من الحدود إلى البرلمان الإسباني، ومن أجهزة الأمن إلى وسائل الإعلام، ومن الهجرة إلى قضية السيادة، قبل أن تدخل في حسابات السياسة الداخلية الإسبانية والاتحاد الأوروبي.

وبذلك أصبحت سبتة نقطة تقاطع بين خمسة ملفات: الهجرة، والأمن، والسيادة، والسياسة الإسبانية، والعلاقة المغربية الأوروبية.

2. التحذيرات الاستخباراتية ومسؤولية الأزمة

أظهرت وثائق إسبانية رُفعت عنها السرية أن أجهزة الاستخبارات كانت قد رصدت دعوات إلى عبور جماعي قبل وقوع الأحداث، وهو ما فتح نقاشاً داخل إسبانيا حول كيفية تعامل المؤسسات مع التحذيرات المتوفرة.

وأكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وجود أوجه قصور في الاستعداد، لكنه شدد في المقابل على عدم وجود دليل يثبت أن الحكومة المغربية خططت لموجة العبور.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين ثلاث مسائل: وجود تحذيرات مسبقة، وطبيعة الاستجابة الإسبانية، ومسؤولية المغرب عن التخطيط للأحداث.

فالخلط بينها يؤدي إلى استنتاجات تتجاوز المعطيات المتاحة.

3. المغرب.. بين التعاون الأمني وملف السيادة

أعادت الأزمة إلى الواجهة الموقف المغربي التاريخي من سبتة ومليلية، خصوصاً في أعقاب تصريحات صدرت عن بعض المسؤولين الحكوميين بالمغرب، أعادت التأكيد على حضور ملف السيادة في الخطاب الرسمي المغربي.

وقد تعاملت مدريد مع هذه التصريحات باعتبارها مرتبطة بملف السيادة، في وقت أكدت فيه إسبانيا تمسكها بموقفها المعروف بشأن المدينتين.

ويرى عدد من الخبراء والباحثين أن إعادة الملف إلى الواجهة لا تعني بالضرورة الانتقال إلى مواجهة دبلوماسية، مشددين على أن حسم قضية بهذا التعقيد يحتاج إلى وقت وبراغماتية وذكاء سياسي ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وهذه المقاربة تبدو مهمة لفهم السياسة المغربية تجاه الملف: الإبقاء على المطالبة التاريخية، مع تجنب تحويلها إلى مواجهة مفتوحة.

4. الرؤية الإسبانية.. سبتة كقضية أمن قومي

لا تنظر إسبانيا إلى سبتة باعتبارها مجرد نقطة حدودية.

فموقع المدينة الجغرافي داخل المجال المغربي، ومكانتها ضمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، يجعلان منها جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية الإسبانية.

وقد برز خلال الأزمة مفهوم الحرب الهجينة بشكل واضح، خصوصاً في النقاش السياسي والأمني الإسباني.

وتشير هذه التطورات إلى أن مدريد باتت تتعامل مع الأزمات المستقبلية المحتملة من منظور أوسع، يشمل الهجرة، والهجمات المعلوماتية، والتضليل الرقمي، والضغط على الحدود.

5. الحرب المعلوماتية والصراع السياسي

شكلت شبكات التواصل الاجتماعي أحد العناصر الرئيسية في الأزمة، سواء من خلال انتشار دعوات العبور أو من خلال تضخيم الروايات المتنافسة بعد وقوع الأحداث.

كما اتهم رئيس الحكومة الإسبانية شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل بالمساهمة في نشر أو تضخيم معلومات مضللة، وهي اتهامات رفضتها الأطراف المعنية.

ومن الناحية المنهجية، لا توجد معطيات علنية كافية تسمح بالانتقال من اتهام بالتضليل إلى إثبات التخطيط للأزمة.

لكن المؤكد أن أزمة سبتة تحولت إلى بيئة خصبة للاستقطاب السياسي والإعلامي.

وقد استفاد اليمين واليمين المتطرف الإسباني من الأزمة في مهاجمة حكومة سانشيز والمطالبة بتشديد سياسة الهجرة وحماية الحدود.

6. العامل العسكري.. «Atlante 26»

تأتي مناورات القوات الجوية الإسبانية «Atlante 26»، المقررة بين 13 و18 شتنبر، في سياق إقليمي حساس.

وتشمل المناورات مقاتلات من طراز F-18 ويوروفايتر، وتدريبات على القتال الجوي وإطلاق الصواريخ ومواجهة الطائرات المسيّرة.

ولا توجد معطيات تثبت أن المناورات موجهة ضد المغرب أو أنها مرتبطة مباشرة بأزمة سبتة.

لكن موقع التدريب وتوقيته، في محيط خليج قادس ومضيق جبل طارق، يمنحان الحدث أهمية إضافية في قراءة المشهد الأمني الإقليمي.

وبالتالي، فإن الأهم ليس اعتبار المناورة رسالة عسكرية ضد المغرب، وإنما إدراك أن المضيق ومحيطه يشكلان مجالاً استراتيجياً بالغ الحساسية بالنسبة إلى البلدين.

سبتة 31/07/2026.. عبور جماعي

7. شراكة استراتيجية تحت الضغط

رغم التصعيد، لم تصل العلاقات المغربية الإسبانية إلى مرحلة القطيعة.

فالبلدان يرتبطان بمصالح واسعة في الأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن التعاون الإقليمي والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030.

ويظل اتفاق 7 أبريل 2022 إطاراً مهماً في إدارة الخلافات.

ومن هنا تبدو المعادلة واضحة:

الخلافات موجودة، لكنها لا تلغي المصالح الاستراتيجية المشتركة.

والتحدي الحقيقي هو منع الملفات التكتيكية، وخاصة الهجرة والسياسة الداخلية، من الإضرار بالمسار الاستراتيجي للعلاقات.

8. البعد الأوروبي

أثبتت الأزمة أن سبتة لا تمثل ملفاً إسبانياً خالصاً.

فالمدينة توجد على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن أي أزمة هجرة واسعة فيها تتحول تلقائياً إلى قضية أوروبية.

ومن المتوقع أن تستمر مدريد في الضغط من أجل دعم أوروبي أكبر للمدينة، سواء في المجال الأمني أو المالي أو في إدارة الهجرة والقاصرين.

وقد يؤدي ذلك مستقبلاً إلى حضور أوروبي أكبر في إدارة الحدود، وهو تطور يستحق المتابعة من الجانب المغربي.

9. التقدير الاستراتيجي

لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن أزمة سبتة تتجه في المدى القريب نحو قطيعة مغربية إسبانية، لكنها تكشف هشاشة التوازن القائم حول ملفات الهجرة والأمن والسيادة.

والأرجح أن يستمر الطرفان في إدارة التوتر مع الحفاظ على قنوات التعاون، مع بقاء سبتة ومليلية من أكثر الملفات قابلية لإعادة إنتاج الأزمات، خصوصاً في ظل تنامي البعد الأوروبي والأمني والهجين للنزاع.

10. الاستشراف: أربعة سيناريوهات

السيناريو الأول: احتواء الأزمة

الاحتمال: مرتفع

يستمر المغرب وإسبانيا في إدارة الخلاف عبر القنوات السياسية والأمنية، مع تجنب القطيعة والحفاظ على التعاون في الملفات المشتركة.

السيناريو الثاني: توتر سياسي طويل

الاحتمال: مرتفع

يبقى ملف سبتة ومليلية حاضراً في الخطاب السياسي، خصوصاً داخل إسبانيا، دون أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية شاملة.

وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير.

السيناريو الثالث: عودة أزمة الهجرة

الاحتمال: متوسط

قد تتكرر محاولات العبور الجماعي إذا توافرت ظروف سياسية أو اجتماعية أو أمنية مناسبة، خصوصاً مع استمرار نشاط شبكات التهريب والتعبئة الرقمية.

السيناريو الرابع: تدويل أكبر للملف

الاحتمال: متوسط

قد ينتقل جزء أكبر من إدارة أزمة سبتة إلى المستوى الأوروبي، خصوصاً في ملفات الحدود والهجرة والأمن والتمويل.

أما فتح مفاوضات مباشرة حول مستقبل السيادة على سبتة ومليلية، فيظل بعيد الاحتمال في المدى القصير، رغم بقاء الملف مفتوحاً على المدى الاستراتيجي.

11. خلاصات لصانع القرار

تكشف أزمة سبتة أن الملف يحتاج إلى مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات الظرفية.

وتبرز خمس خلاصات أساسية:

أولاً: ملف سبتة ومليلية لم يُغلق، وقد يعود إلى واجهة العلاقات في أي لحظة.

ثانياً: الهجرة أصبحت جزءاً من الأمن القومي والسياسة الداخلية والحرب المعلوماتية، وليس مجرد ملف إنساني.

ثالثاً: الحفاظ على الشراكة المغربية الإسبانية يظل مصلحة استراتيجية، رغم استمرار الخلاف حول السيادة.

رابعاً: يحتاج المغرب إلى تطوير إنتاج معرفي واستشرافي أكبر حول سبتة ومليلية، يجمع بين التاريخ والقانون والسياسة والأمن والاقتصاد والعامل الأوروبي.

خامساً: إدارة الملف تحتاج إلى نفس طويل، فالقضايا التاريخية لا تُحسم بالتصريحات اليومية، وإنما بتراكم القوة الدبلوماسية والمعرفة والمصالح وحسن اختيار التوقيت.

12. خلاصة

لهذا فإن أزمة سبتة ليست مجرد أزمة هجرة، إنها اختبار للعلاقات المغربية الإسبانية، ولقدرة البلدين على الفصل بين الخلاف الاستراتيجي والمصالح المشتركة.

فالمغرب متمسك بموقفه التاريخي من سبتة ومليلية، وإسبانيا متمسكة بموقفها من السيادة، لكن الطرفين يدركان أن المواجهة المفتوحة ستكون مكلفة.

لذلك يبدو أن المرحلة المقبلة ستتجه، في الأغلب، نحو إدارة التوتر وليس حسم القضية.

غير أن أزمة 2026 كشفت حقيقة أساسية: سبتة يمكن أن تتحول في ظرف ساعات من ملف هجرة إلى قضية أمن وسيادة وسياسة داخلية وحرب معلومات.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الرباط ومدريد ليس فقط منع أزمة جديدة، بل بناء آليات تمنع أزمة عابرة من التحول إلى أزمة استراتيجية.

وفي هذا السياق، يبقى السؤال المفتوح:

هل ستظل سبتة مجرد نقطة توتر متكرر بين المغرب وإسبانيا، أم أن الأزمات المتراكمة ستدفع، على المدى البعيد، نحو إعادة التفكير في مستقبل العلاقة بين البلدين حول المدينتين؟.

ذلك سيعتمد قبل كل شيء على تطور موازين القوى، والسياق الإقليمي، والتحولات السياسية داخل إسبانيا، وقدرة المغرب على مواصلة إدارة الملف بمنطق استراتيجي طويل النفس.

* عثمان بنطالب: رئيس مركز أنباء إكسبريس للدراسات والأبحاث
https://anbaaexpress.ma/z439b

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى