في أحدث خروج إعلامي عقب الاجتماع الفصلي لمجلس بنك المغرب، قدّم والي البنك عبد اللطيف الجواهري قراءة دقيقة ومركبة للوضع الاقتصادي الوطني، في سياق دولي يتسم بارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط التضخمية، مسلطاً الضوء على الترابط الوثيق بين تقلبات أسعار النفط والتوازنات الماكرو اقتصادية للمملكة.
وأوضح الجواهري أن استقرار سعر برميل النفط فوق مستوى 95 دولاراً، مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية والحرب في الشرق الأوسط، انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المغربي، من خلال ارتفاع كلفة الواردات الطاقية، وما تبعه من زيادة في أسعار المحروقات محلياً، الأمر الذي ألقى بظلاله على القدرة الشرائية للأسر.
وأشار إلى أن فاتورة الطاقة تظل العامل الأكثر تأثيراً في معادلة النمو، مبرزاً أن البنك المركزي يراقب عن كثب انتقال أثر ارتفاع أسعار الطاقة إلى قطاعات النقل والمواد الاستهلاكية، وهو ما قد يؤدي إلى تغذية موجة تضخمية جديدة تتجاوز حدود المعالجة النقدية التقليدية.
وفي هذا السياق، أكد والي بنك المغرب أن الخط الائتماني الذي وضعه صندوق النقد الدولي رهن إشارة المغرب، يمثل آلية وقائية مرتبطة أساساً بتطورات أسواق الطاقة، موضحاً أن بلوغ أسعار النفط عتبة 100 دولار للبرميل قد يدفع إلى تفعيل هذا الخط، بهدف تعزيز احتياطيات العملة الصعبة ومواجهة الضغوط المتزايدة على ميزان الأداءات.
وأضاف أن الوضع الحالي، مع بقاء الأسعار دون هذا السقف وتوفر احتياطيات تغطي نحو ستة أشهر من الواردات، لا يستدعي اللجوء الفوري إلى هذا التمويل، الذي تصل قيمته إلى 5 مليارات دولار، لكنه يظل خياراً جاهزاً في حال تفاقم الصدمات الخارجية.
وبخصوص التضخم، أقر الجواهري باستمرار تأثير ما وصفه بـ”صدمات العرض” الخارجية، رغم السياسة النقدية الحذرة، مشدداً على أن الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم الاستثمار والحد من الضغوط التضخمية.
كما أشار إلى أن جزءاً من التضخم في المغرب أصبح ذا طابع هيكلي، نتيجة تداخل عوامل مناخية أثرت على الإنتاج الفلاحي، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة المستوردة.
وعن آفاق الاقتصاد الوطني خلال سنة 2026، أكد والي البنك المركزي أن تحقيق نمو قوي يظل رهيناً بتسريع وتيرة الاستثمار، سواء العمومي أو الخاص، وتنزيل الإصلاحات الهيكلية، معتبراً أن تحقيق السيادة الطاقية أصبح خياراً استراتيجياً لا محيد عنه، من خلال تعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة لتقليص التبعية للأسواق الدولية.
وختم الجواهري بالتأكيد على أن بنك المغرب سيواصل تتبع المؤشرات الاقتصادية عن كثب، مشدداً على أن التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية يظل المدخل الأساسي للحفاظ على التوازنات الكبرى وضمان استقرار الاقتصاد الوطني في مواجهة تقلبات المرحلة.




