آراء
أخر الأخبار

القبض على الخفي.. في خلوة الصيام

عبد الله فضّول

هل يمكن للصيام، وراء صورته المألوفة كإمساكٍ مادي، أن يكون بوابةً لاكتشاف قوىً خفية في أعماقنا حجبها صخب الحياة العصرية؟ وكيف يتحول الحرمان من المادة إلى وسيلة للتحرر من أسر (الخارج) المزدحم بالاستهلاك، والعبور نحو (داخلٍ) يفيض بالمعاني واللطائف؟

إن المتأمل في تجربة الصيام يدرك أنها تمثل محطة ارتقاء جوهرية بوعي الإنسان، تنتقل به من الامتداد الأفقي الغارق في تفاصيل العالم الخارجي، إلى السمو العمودي الذي يغوص في لطائف المعنى وسكينة الباطن.

ففي المعتاد، تتبدد طاقة المرء في ملاحقة شؤون المعاش وصخبها، مشتتاً في عالم الخارج وما يفرضه من استهلاك، لكن الصيام يأتي ليزيح هذا الركام، مفسحاً المجال للالتفات إلى الداخل بصورة متزايدة.

هذا الالتفات يظهر بوضوح حين نتحرر من أسر الهواتف وضجيج الوسائط التي تسرق انتباهنا، لنستعيد القدرة على رصد الحقائق الإيمانية التي كانت تتوارى خلف حجاب العادة؛ فبدلاً من النظر إلى المائدة كحاجة جسدية، يدرك الصائم القيمة العميقة لقطرة الماء، وهو انتقال من الاستهلاك الآلي إلى مقام الامتنان الوجودي.

وعندما تضيق دائرة الانشغال بالعالم الخارجي، يزداد عمق التفكر في ملكوت النفس؛ هذا التفكر هو المحرك الحقيقي ليقظة الروح.

فحين يعيد الصيام صياغة علاقتنا بالبديهيات، فإنه يمنحنا القدرة على استبصار القوة الإيمانية الكامنة فينا، فيصبح للحظة الواحدة وللخاطرة العابرة وزنٌ عظيم.

يتجلى ذلك في لحظات الصفاء قبيل الغروب، حيث لا يعود العالم كتلة من الضجيج، بل يشرع الصائم في رصد سكون الوجود، تماماً كما يتأمل المرء في لحظة سكينة حركة موجة واحدة في فردانيتها لا في مجموع البحر؛ وهذا هو المعنى الأصيل لسيادة الإنسان على نفسه واسترداد أمانة وعيه من فوضى الخارج إلى نظام الداخل.

إن الصيام بهذا المنظور يصبح إحياءً للملكات الخامدة في نفوسنا، لنتعلم كيف ندرك من أسرار الذات ما كان محجوباً عنا؛ تماماً كما يقرأ الأستاذ الخبير بحال تلميذه من نظرة عين أو إيماءة عابرة قبل أن ينطق بكلمة، حيث تمنحه الخبرة بصيرةً تنفذ إلى ما وراء الظاهر.

إنه تمرينٌ يومي على الارتقاء من رصد أحداث الدنيا إلى مستوى استشفاف الإشارات الروحية العميقة؛ فعوضاً عن الانسياق خلف المغريات، يمنح الصيام المرء الشجاعة للغوص في أعماقه ليفهم احتياجاته الحقيقية.

وهكذا، ينكشف الصيام كأداة تزكية تهدف إلى غرس الوعي، ليكون الإنسان في نهاية رحلته أكثر اتصالاً بمكامن قوته اليقينية، وأشد تحكماً في مسار حياته الذي صار يراه الآن بوضوحٍ فائق (وهو ما يحيلنا إلى رؤية كولن ولسون حول ضرورة الالتفات إلى الداخل بصورة متزايدة لاكتشاف المستويات الخفية من الوجود، والارتقاء من الكبير إلى الدقيق للقبض على جوهر الكيان البشري).

https://anbaaexpress.ma/wshj6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى