منذ أصبح الإسلام هو المظلة السياسية الشاملة التي تطوي تحتها مزيجاً لا حصر له من الشعوب من السند في الشرق، حتى سواحل شبه الجزيرة الأيبيرية على الأطلنطي والجماهير العريضة من الناس لهم حضور في لعبة السلطة، ولم يحدث إقصاء للجماهير إلا بعد الغزو الصليبي، وما ترتب عليه من ضرورة عسكرة السلطة، حتى تتمكن من مواجهة الحملات الصليبية المتتابعة، والتي امتدت على مدار قرنين من الزمن، تخللتهما موجات أشد فتكاً من الغزوات المغولية التي انطلقت من السهوب الآسيوية، تسحق المشرق الإسلامي، فتقوض أركان الدولة الخوارزمية، ثم تكتسح بغداد ثم تقضي على الخلافة العباسية وتقتل الخليفة، وهنا نضجت الظروف التاريخية لصعود نخب جديدة- عسكرية محضة- لقيادة الأمة في مواجهة مخاطر غير مسبوقة في التاريخ.
بين الغزو الصليبي ثم الغزو المغولي، سقطت الخلافتان العربيتان في المشرق: سقطت الخلافة العباسية في بغداد 1258، ومن قبلها سقطت الخلافة الفاطمية في القاهرة 1171، ومن قبلهما سقطت الخلافة الأموية في الأندلس 1031 م. وقع الأندلس بين أيادي ملوك الطوائف، وقعت الخلافة الفاطمية في حجر صلاح الدين الأيوبي، وقعت الخلافة العباسية تحت مشيئة المماليك.
وكانت أقدار الشرق في مصر والشام والحجاز والبحر الأحمر واليمن في عهد الأيوبيين ثم المماليك، الأكراد والشركس، وكلتاهما نخب حكم عسكرية الاحتراف والمهنة والرسالة التاريخية بمقتضى المواجهة العنيفة سواء مع الصليبيين أو المغول، ثم كلتاهما نخب إقطاعية تضع يدها على اقتصاد البلاد وتخصص أكثر للجند وللحرب، ثم كلتاهما نخب ارستقراطية عسكرية تنظر للشعب بعين الازدراء والاستخفاف، فهو شعب غير مقاتل، مُستبعَد من مهنة القتال التي باتت- بالذات مع المماليك- مهنة عليا ذات سيادة فوق الدولة وفوق المجتمع، ولم يكن من قيد يقيدها إلا سلطان الشريعة والقضاء، إذا تصادف ووجد من الفقهاء من هو ذو تقوى وورع وشجاعة، بحيث يستطيع أن يواجه السلطان المملوكي، ثم يثبت أمامه حتى ينتصر للحق، كانت الشريعة وحدها، باعتبارها إلهية المصدر هي السبيل الوحيد لصد طغيان السلطات الأيوبية ثم المملوكية وتغولهما على عوام الناس.
في الحكم العربي كان للجماهير حضور، سواء في عهد الخلفاء الأربعة، أو في عهد بني أمية، وهم بعد عمر بن الخطاب، المؤسسون الفعليون للدولة الإسلامية من السند إلى إسبانيا، ثم هم من نقل السياسة الإسلامية من مثاليات الراشدين إلى واقعية العمل السياسي الميداني، باعتبار السياسة صفقة بين الحاكم والمحكوم أو تعاقد بين السلطةوالناس، أضفى الأمويون على السياسة الإسلامية طابعها الواقعي، بما أن الواقعية السياسية هي الوصول إلى صيغة مقبولة لاقتسام وجاهة السلطة ومنافعها ومغانمها، بين دائرة تتجاوز الحاكم وذويه إلى طبقات وشرائح وفئات وطوائف تستفيد من السلطة، فتدعمها وتحفظ بقاءها.
منذ اللحظة الأولى لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم تجلت بوضوح لعبة التوازنات السياسية سواء بين المهاجرين والأنصار أو في ارتداد كثير من القبائل العربية عن الإسلام أو في حرب أبي بكر رضي الله عنه للمرتدين وإرجاعهم للإسلام بسيف الدولة أو في مقتل الراشدين الثلاثة عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم. انتزع الأمويون السلطة من أفواه الأسود، ولم يكن باستطاعتهم الحفاظ عليها قريباً من قرن دون مواءمات ومراعاة للتوازنات، كان يتقنها المؤسس الأول معاوية ثم الثاني عبد الملك بن مروان.
أتقن الأمويون توازنات القبائل العربية، لكنهم تجاهلوا توازنات الشعوب غير العربية وبالذات الشعوب الفارسية، كان الحكم الأموي عربي الطابع لا يخلو من الاستعلاء العربي، وكانت هذه نقطة اختلال همشت العنصر الفارسي، وهو الاختلال الذي لعبت عليه المعارضة السرية التي كان يقودها خصومهم من العباسيين، لم يكن أمام المعارضة العباسية غير التحالف مع المهمشين الذين يعانون الإقصاء في ظل الحكم الأموي، نجحت تحالفات العباسيين مع الشعوب الفارسية حتى سقط الأمويون، وقامت على أطلالهم الخلافة العباسية. المعارضة الفاطمية السرية كررت مع خصومها من العباسيين الدرس ذاته الذي فعله العباسيون مع الأمويين.
جمع الفاطميون حولهم كل المهمشين في ظل العباسيين، صحيح لم ينجح الفاطميون في إسقاط العباسيين، لكنهم اقتسموا معهم الإمبراطورية مناصفة، ثم حاصروهم في مقر حكمهم في بغداد. في كل العهود العربية كانت جماهير الناس العادية جزءاً أصيلاً من مكونات المعادلة السياسية سواء في عهود الراشدين أو الأمويين أو العباسيين أو الفاطميين.
لكن مع انتقال الحكم بعد الموجات الصليبية ثم المغولية إلى العناصر التركية السلجوقية ثم الكردية ثم المملوكية بدأت تتغير طبيعة الحكم ذاته إلى طبقات عسكرية، تحترف القتال وتضع يدها على الاقتصاد، ولا ترى دوراً للناس في معادلة الحكم والسياسة، ومن هنا بدأ التهميش والإقصاء كحقيقة تاريخية، لم يعد الجهاد واجباً دينياً على كل مسلم قادر، لكن أصبح الجهاد مؤسسة مغلقة على مماليك مجلوبين من سهوب آسيوية بعيدة، يتم إدخالهم الإسلام ثم تخصيصهم لمهنة القتال والحكم والسياسة عبر تدريبات شاقة ومنهج تربية صارم منضبط عنيف.
لم يعد الجهاد واجب عموم المسلمين، لكن أصبح اختصاص أقلية عددية محترفة لفنون الحرب من المماليك الأشداء المتفرغين فقط لهذه الهمة التاريخية.
عند منتصف القرن الثالث عشر انتقلت السلطة في المشرق العربي ومصر ومن الأيوبيين إلى المماليك، واستمرت دولة المماليك لها السيادة على مصر والشام حتى مطلع القرن السادس عشر، ثم انتقلت السيادة للعثمانيين لكن بقيت السلطة المحلية بيد المماليك، فاستمر المماليك عملياً في حكم مصر، حتى أفناهم محمد علي باشا عند مطلع القرن التاسع عشر، هذا معناه أن التراث السياسي للمماليك، تراث التهميش والإقصاء، تواصل مستمراً في حدود ستة قرون، وهذا معناه أن المماليك هم أصحاب المدرسة السياسية الأطول عمراً والأبقى أثراً والأعمق تأثيراً ليس فقط في بنية السياسة المصرية، لكن في بنية العقل والضمير والوجدان المصري بأعمق ما يكون التأثير، فالتراث السياسي المصري القريب لنا واللصيق بنا هو بعض مما ترك المماليك سواء في روح الدولة وطبائع السلطة أو في مزاج المجتمع ذاته ورؤيته للحكم والسلطة.
لهذا كان التحديث الذي أنجزه محمد علي باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر هو استعارة أثواب وحلي أوروبية، يزين بها دولة ومجتمعاً مملوكياً في صميم روحه وعقله وضميره وشعوره، دولة تقوم على تهميش المجتمع، ومجتمع لا يمانع في التهميش، ما دامت وفرت له الدولة الحد المعقول من الأمن والأمان والاستقرار.
وهذا موضوع مقالنا المقبل بمشيئة الله تعالى.




