آراءسياسة
أخر الأخبار

عقدة “⁧‫‬⁩بيروت” في حرب ⁧‫‬⁩المؤجلة

‏كان واضحا أن ترامب ونتنياهو وما يمثلانه من عقائد وطباع متقاطعة تواطأٓ على صناعة حدث من وراء ظهر العالم. حين عرفنا في العقود الأخيرة حروبا كبرى ذات أبعاد دولية

‏باتت جائزة مقارنة المواقف التي واكبت بداية الحرب مع النهايات المرحلية التي تعبّر عنها المذكرة الوليدة. بات سهلا استنتاج أعراض المشهد الذي رست عليه “الحسبة” بين ورشة البيدر وغلال المحصول.

بدا جليا أن الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، بصفته أيضا “مايسترو” الحرب، لم تستطع تحقيق الأهداف التي ذهبت إليها أو أوحت بها لشنّ حرب مؤجلة كان يمكن لواشنطن شنّها قبل عقود، كرد فعل مثلا لقيام وكلاء إيران بتفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983.

‏لم نأت على ذكر هذه “الكارثة” الأميركية جزافا. أثارها الرئيس الأميركي بالذات في الساعات التي تلت بدء الحرب لتسويقها لدى الرأي العام الأميركي. لم يقدم أمر حينها بصفتها نزاعا على ملفات خلافية مهما كبر شأنها، بل كتصفية حساب قديم، ما زال يوجع الذاكرة الجمعية للأميركيين.

كانت قوات المارينز من بين القوات المتعددة الجنسيات التي كانت ترابط في لبنان من ضمن إجراءات ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لكن كارثة مفاجئة سددت صفعة مدوية إلى واشنطن.

‏في 23 تشرين الأول 1983 اقتحمت شاحنة مفخخة مقر كتيبة مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) بالقرب من مطار بيروت الدولي.

بعد ذلك بدقائق وقع هجوم ثاني استهدف مبنى “دراكار” المكون من 9 طوابق في منطقة الرملة البيضاء في بيروت، والذي كان يضم المظليين الفرنسيين.

أسفرت التفجيرات المزدوجة عن مقتل 241 عسكرياً أميركيا و58 مظلياً فرنسياً. أعلنت “منظمة الجهاد الإسلامي”، وهي واجهة عرفت باريس وواشنطن أن طهران وراءها.

‏في استعادة ترامب للحدث، وتهكمه على عدم قيام بلاده خلال 47 عاما بالتصدي لإيران، ما أوحى لطهران أن الحرب تستهدف وجود نظامها بعد 43 عاما من حادثة بيروت.

استنتجت أيضا أن العناويين الأخرى للحرب لا سيما “القنبلة النووية” هي مجرد مغلف يخفي المرامي الحقيقية للحملة التي تنشد الانتقام من “مذلة” قديمة، ففعجّلت طهران الانتقال الفوري إلى استراتيجية “عليّ وعلى أعدائي”.

‏قد يمكن الجزم أن الولايات المتحدة وإسرائيل خاضتا حربا انفعالية، استندت على غطرسة فائض القوة، ونهلت من معطيات مخابراتية عسكرية وأمنية وسياسية متعجّلة.

وفيما أن من قواعد الحرب قلة الكلام إلا ما هو لزوم البروباغندا المصاحبة، غير أن ما صدر عن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من استعراضات كلامية ومن تخبط في نسخاتها منح الجانب الإيراني هامش تحرّك يائس استدعت به بلدان المنطقة (الخليج والأردن ولبنان خصوصا) والعالم برمته (عبر خنق مضيق هرمز) إلى حرب تستهدفها وحدها.

‏كان واضحا أن ترامب ونتنياهو وما يمثلانه من عقائد وطباع متقاطعة تواطأٓ على صناعة حدث من وراء ظهر العالم. حين عرفنا في العقود الأخيرة حروبا كبرى ذات أبعاد دولية، مثل حروب تحرير الكويت (1991) أو ضد نظام طالبان في أفغانستان (2001) أو ضد نظام صدام حسين في العراق (2003) أو حتى ضد صربيا وليبيا.. إلخ.

قامت تحالفات إقليمية-دولية وبعضها استند إلى قرارت من مجلس الأمن الدولي. غير أن الحرب الأخيرة شّنت من دون بيئة إقليمية ودولية مواكبة إذا لم تكن حاضنة، ما ولّد تشققا وشللا في عمل النظام الدولي، وأحال الحرب شأنا لا يريد العالم الانخراط به.

‏بين حرج أوروبا وحرج دول المنطقة وتحفّز دول كبرى أساسية (مثل روسيا والصين)، تمكنت إيران من جعل الحرب أكثر كلفة للعالم واقتصاده، وجعل عامل الوقت ضاغطا أيضا على أجندة ترامب داخل الولايات المتحدة.

لم يتأخر الرئيس الأميركي في استنتاج هذه الحقيقة، وراح يسقط أوراقا ويؤجل أخرى، مركًزا على تحقيق هدف واحد هو منع إيران من اقتناء قنبلة نووية.

‏لم يعد ترامب يتحدث عن البرنامج الصاروخي وعلاقة طهران بوكلائها في المنطقة حتى أنه أسقط وعده بـ”الاستيلاء” على مخزون اليورانيوم للعالي التخصيب وتدميره في الولايات المتحدة. بدا أن الحجة الداهمة الوحيدة لتبرير شنّ حرب هي تدمير سلاح دمار شامل سيستهدف الولايات المتحدة يوما ما.

احتوت مذكرة التفاهم شيئا ما عن ذلك الهدف، وأسقطت أي اهداف أخرى. وإذا ما كانت إيران تعتبر في ثنايا الفعل منذ عقود أن “القنبلة” ضمان وحيد لبقاء النظام، فإنه يصعب على أي مراقب الإيمان بأن طهران ستقبل عبر التفاوض والدبلوماسية فقط تسليم الضمان الوحيد لبقاء نظامها.

‏سيكون عسيرا على إيران التصديق بأن واشنطن ستكتفي بالمذكرة والتفاوض سبيلا وحيدا للاتفاق. فإذا ما سعى ترامب إلى تبشير الأميركيين بتخليصهم من “مذلةً” ارتكبها ريغن، فإن أمام ترامب مواجهة وابل من الأسئلة. وإذا باشر ترامب حربه متكئا على “عقدة بيروت”، فإن مصير الاتفاق الحالي بان رهن “عقدة لبنان”، من جديد.

https://anbaaexpress.ma/tuk0h

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى