تثير المقارنة بين قدرة الدولة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي على خوض حرب استمرت ثماني سنوات ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحشود كان عمادها الديموغرافي من الشيعة، وبين العجز الحالي عن اتخاذ موقف موحد أو حاسم تجاه أي مساس خارجي بالسيادة أو الأرواح العراقية، تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة، وصناعة الولاء، والتحولات الكبرى في الهوية المذهبية والسياسية للعراق.
يكمن مفتاح فهم هذا التباين الشاسع في الانتقال من مفهوم “الدولة الشمولية الصارمة” إلى واقع “المكونات الموزعة”، وهي المفارقة التي تشغل بال المحللين السياسيين والمؤرخين الذين درسوا السوسيولوجيا السياسية للعراق المعاصر.
إن التفسير الشائع الذي يعزو خوض الشيعة لحرب الثماني سنوات تحت قيادة نظام صدام حسين إلى “عقلية القطيع” أو “الخوف المحض” يغفل جانباً بنيوياً مهماً ركزت عليه الدراسات الغربية والعربية الرصينة.
النظام السابق لم يكن يستند إلى البطش العسكري فحسب، بل كان يمتلك أدوات “الدولة الحديثة الشمولية” التي احتكرت الهوية الوطنية وعرّفتها صراحةً بـ”العروبة وحماية البوابة الشرقية”.
في تلك الحقبة، نجحت الدولة في صهر التناقضات المذهبية داخل بوتقة القومية، ولم تكن المواجهة تُطرح باعتبارها صراعاً مذهبياً، بل صراعاً عربياً-فارسياً، وهي السردية التي استجابت لها قطاعات واسعة مدفوعة بحس وطني تقليدي، أو برغبة في البقاء داخل إطار القانون الصارم الذي كان يرى في أي تردد خيانة عظمى.
في ذلك الوقت، لم تكن المرجعية الدينية في النجف، بزعامة السيد أبي القاسم الخوئي، تميل إلى العمل السياسي المباشر أو الصدام التأسيسي مع الدولة، بل حافظت على فلسفتها التقليدية القائمة على حماية الحوزة وكيان الطائفة من الفناء وسط أمواج القومية العاتية، مما ترك الساحة الفكرية والسياسية بالكامل لسيطرة ماكينة الدولة الأيديولوجية.
بالمقابل، فإن المشهد الحالي المحكوم بفلسفة “الحاكمية الشيعية السياسية” المقترنة بنظام المحاصصة يعاني من أزمة بنيوية مغايرة تماماً.
حين انتقلت السلطة إلى المكون الشيعي بعد عام 2003، لم تنتقل إلى دولة مركزية قوية، بل إلى قوى سياسية متعددة ومتنافسة تعيد إنتاج شرعيتها من خلال التمثيل الطائفي والمحاور الإقليمية.
الاستعصاء الحالي عن الرد على أي خرق خارجي، أو الانقسام الحاد الذي يشهده الشارع العراقي بمجرد التلميح بالاصطدام مع قوة إقليمية مثل السعودية، يعود إلى أن الشيعية السياسية تعيش اليوم مأزقاً بين جغرافيتين وعقيدتين: جغرافية العروبة والاندماج الاقتصادي مع المحيط الخليجي، وعقيدة الانتماء العابر للحدود للمحور الإقليمي الذي تقوده إيران.
لذا، فإن أي قرار بالاصطدام بالسعودية لا يُنظر إليه في بغداد كإجراء سيادي لدولة موحدة، بل كقرار ينحاز لمحور ضد آخر، مما يفجر فوراً التناقضات الداخلية.
الانقسام الحاد لا يحدث بين الشيعة والسنة فحسب، بل يضرب عمق المكون الشيعي نفسه؛ حيث يتنازع تياران أساسيان: تيار يرى في الدولة العراقية امتداداً لمشروع المواجهة والردع الإقليمي وبالتالي وجوب التصدي لخصومه، وتيار آخر تؤكّد توجهاته على كبح جماح الفصائل، وحصر السلاح بيد الدولة، والابتعاد عن سياسة المحاور لحماية السلم الأهلي ووحدة البلاد.
إن الخوف من الاصطدام الخارجي اليوم ليس خوفاً من الحرب ذاتها، بل هو خوف من انهيار “الحاكمية الشيعية” نفسها من الداخل.
فالنظام السياسي الحالي هشّ إلى درجة أن أي مواجهة إقليمية غير محسوبة قد تؤدي إلى اقتتال شيعي-شيعي على النفوذ والشرعية، أو تقود إلى عزلة دولية واقتصادية خانقة تنهي تجربة الحكم الحالية برمتها.
هكذا يتضح أن قوة النظام الدكتاتوري السابق كانت تنبع من قدرته على فرض هوية وطنية أحادية بالقوة، بينما يكمن ضعف الواقع الحالي في عجز القوى الحاكمة عن صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية، مما جعل السيادة العراقية رهينة الحسابات المعقدة لتوازنات القلق الداخلي والإقليمي.




