تقاريرسياسة
أخر الأخبار

تجفيف منابع دعم الانفصال.. معركة المغرب المقبلة في بوليفيا وفنزويلا

تبرز حالتا بوليفيا وفنزويلا أن دعم الطرح الانفصالي يرتبط بتحولات سياسية ظرفية أكثر مما يستند إلى أسس قانونية ثابتة، ما يجعله قابلا للمراجعة في أي لحظة..

يستعد المغرب لطرح مقترحه حول الحكم الذاتي أمام مجلس الأمن وأمام شركائه الدوليين، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها حاملة القلم والمسؤولة عن مسودة القرار الأممي.

وبالموازات مع ذلك، يواصل جهوده في تبيان الحقائق التاريخية الكامنة وراء هذا النزاع المفتعل، والعمل على تحييد آخر ما تبقى من الأطراف التي حاولت النيل من وحدته الترابية، سعيا إلى تحقيق إجماع دولي غير مسبوق، لم تحظ به أي من القضايا التي كانت موضوع نزاع إقليمي أو دولي.

غير أن الواقع يظهر أن عددا من الدول، ورغم التقدم الأممي الحاصل على مستوى هذا الملف، لا يزال يدعم الطرح الانفصالي، وهو ما يفرض على المغرب الاشتغال على تحييدها على الأقل.

ويتركز جزء من هذه الدول في القارة اللاتينية، حيث حقق المغرب انتصارات مهمة، كما هو الحال في بنما و الإكوادور، في حين ما تزال دول أخرى مستمرة في معاكسة حق المغرب التاريخي في وحدته الترابية.

وسنتطرق في هذا السياق إلى دولتين من دول المحور اللاتيني، هما بوليفيا وفنزويلا، في ظل التحولات الكبرى التي تعرفانها في المرحلة الراهنة.

أولا: بوليفيا.. الموقف من النزاع رهين التحولات الإيديولوجية

اعترفت بوليفيا بالجبهة الانفصالية سنة 1982، وذلك في ظل حكومة يسارية، و في انسجام تام مع موجة إيديولوجية سادت آنذاك في جنوب القارة، وارتبطت بخطاب حركات التحرر، خارج أي قراءة قانونية أو تاريخية للنزاع، وفي مناخ دولي شديد القطبية.

لاحقا، وفي يناير 2020، سحبت حكومة اليمين وسط المؤقتة هذا الاعتراف، في خطوة عكست بداية مراجعة سياسية وبراغماتية للسياسة الخارجية البوليفية، غير أن عودة اليسار إلى الحكم بقيادة الرئيس لويس آرسي أعادت الاعتراف من جديد، وهو مستمر إلى الآن.

الحال أنه، ومع وصول رئيس جديد من تيار اليمين الوسط، و ينتمي إلى الحزب الديمقراطي المسيحي (عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر 2025) ،يمكن تغيير المعادلة من جديد.

فقد أفرزت الانتخابات انهيارا كبيرا لليسار (حركة MAS)..

ومع رغبة معلنة لدى الرئيس الجديد في تغيير النموذج الاقتصادي والاجتماعي، والتوجه نحو تحالفات جديدة داخل أمريكا اللاتينية، والابتعاد عن محور ومجموعة بويبلا (Puebla) الحاضنة لليسار الإقليمي (لولا دا سيلفا، غوستافو بيترو، ورئيسة المكسيك).

يصبح من الضروري أن تبادر الدبلوماسية المغربية (علما أن شؤون بوليفيا تدار حاليا عبر السفارة المغربية في البيرو) إلى فتح قنوات متعددة: حزبية (تقاسم حزب الرئيس العضوية داخل منظمة COPPPAL مع حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي)، سياسية، أكاديمية، وثقافية.

خصوصا أن المجتمع البوليفي الانديني يبدي اهتماما متزايدا بالانفتاح على القارة الإفريقية و شعوبها الأصلية (الامازيغ في الحالة المغربية) ، بل إن عددا من رموز اليسار، وعلى رأسهم إيفو موراليس، عبروا في فترات سابقة عن رغبتهم في الاطلاع على حقيقة النزاع، بعيدا عن الرواية الأحادية التي تروجها الأطراف المعادية للمغرب.

ومن المؤكد أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، قادرة على انتزاع دعم واضح للمسار الأممي.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحصين هذا الدعم بما يجعله غير خاضع لتقلبات الساحة السياسية البوليفية، رغم محدودية أهميته الآن.

ثانيًا: فنزويلا.. اعتراف برائحة النفط

على خلاف الاعتقاد الشائع، فإن اعتراف فنزويلا بالجبهة الانفصالية لم يكن بدافع إيديولوجي يساري، بل تم سنة 1982 في عهد حكومة يمين وسط (قريبة من الاحزاب الديمقراطية المسيحية)، يقودها حزب COPEI.

هذا الاعتراف ارتبط عمليا بعاملين رئيسيين:

أ. الدبلوماسية النفطية والتقارب مع الجزائر.

فنزويلا والجزائر كانتا شريكتين استراتيجيتين داخل منظمة OPEP، مع تنسيق سياسي (جنوب/جنوب)، تجاوز ملف النفط ليشمل مواقف مشتركة في عدد من القضايا الدولية. وقد مارست الجزائر، في هذا الإطار، ضغوطا دبلوماسية لحمل دول حليفة لها على الاعتراف بما يسمى الجمهورية الصحراوية.

ب. ضعف الحضور المغربي في أمريكا اللاتينية آنذاك.

في ثمانينيات القرن الماضي، كان الوجود الدبلوماسي والاقتصادي والإعلامي للمغرب في القارة محدودا، ما سمح بسريان رواية البوليساريو دون أي توازن أو تصدي.

لاحقا، ومع وصول هوغو تشافيز (يسار متطرف) إلى الحكم سنة 1998، ثم نيكولاس مادورو، تعزز هذا الموقف ضمن اصطفاف إقليمي معروف.

غير أن فنزويلا اليوم تقف أمام منعطف تاريخي حاسم وكبير، فالتحولات الجارية (منذ إعتقال نيكولاس مادورو) و في ظل ضغط أمريكي غير مسبوق، والاستعداد لانتقال ديمقراطي مراقب ومشروط، و الذي سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل العقيدة السياسية والدبلوماسية للبلاد، بما في ذلك:

التحوّل الاقتصادي

الابتعاد عن محور روسيا والصين

مراجعة العلاقات مع الجزائر، إيران، كوبا، وكولومبيا..

كل ذلك ستكون له انعكاسات مباشرة على المواقف السياسية الخارجية.

في هذا السياق، يبدو أن المغرب (الذي أغلق سفارته سابقا في كراكاس) سيعيد ترتيب أوراقه استعدادا لمرحلة ما بعد الانتقال، والتي يرجح ألا تتجاوز 18 شهرا.

فبعد صدور القرار الأممي 2797، من الواضح أن المغرب يعمل على تجفيف آخر القلاع الداعمة للانفصال في أمريكا اللاتينية، من خلال:

فتح قنوات مع مختلف الفاعلين الرسميين، السياسيين والحزبيين في فنزويلا.

التفاعل مع الإشارات المتكررة، المباشرة وغير المباشرة، الداعية إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية

ويذكر في هذا السياق أن حكومة نيكولاس مادورو احتفظت بسفارتها في الرباط، و لو بتمثيلية دبلوماسية محدودة، ما يشكل أساسا قابلا للتطوير في المرحلة المقبلة.

خلاصة

تبرز حالتا بوليفيا وفنزويلا أن دعم الطرح الانفصالي يرتبط بتحولات سياسية ظرفية أكثر مما يستند إلى أسس قانونية ثابتة، ما يجعله قابلا للمراجعة في أي لحظة.

ومع التحولات الجارية في أمريكا اللاتينية، لدى المغرب فرصة حقيقية لتجفيف ما تبقى من بؤر هذا الدعم، عبر دبلوماسية متعددة المستويات لا تكتفي بالمواقف الرسمية، بل تبني نفوذا مستداما يحصن الوحدة الترابية ويرسخ عدالة القضية الوطنية.

https://anbaaexpress.ma/qe7zq

مشيج القرقري

عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عضو لجنة الاخلاقيات بالأممية الاشتراكية مسؤول العلاقات الخارجية مع دول أمريكا الاثينية وأفريقيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى