آراءسياسة
أخر الأخبار

الرباط وباريس: من الإرث التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية المتجددة

لا يمكن قراءة انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي بمعزل عن المسار التاريخي الطويل الذي يربط المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية.

فرغم ما شهدته العلاقات بين البلدين من فترات مد وجزر فإنها ظلت تستند إلى قاعدة صلبة من المصالح المشتركة والحوار السياسي، والتعاون الاقتصادي والأمني والثقافي.

لقد انتقلت العلاقات المغربية الفرنسية خلال العقود الأخيرة من منطق الشراكة التقليدية إلى مفهوم “الشراكة الاستثنائية الوطيدة” وهو توصيف يعكس إرادة سياسية مشتركة لإعادة صياغة التعاون بما يستجيب للتحولات الإقليمية والدولية.

وقد جاء الدعم الفرنسي الواضح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية قضية الصحراء المغربية ليشكل نقطة تحول مفصلية، أسهمت في فتح صفحة جديدة من الثقة بين الرباط وباريس.

وتتجاوز أهمية هذه العلاقات بعدها الثنائي إذ يشكل المغرب بالنسبة لفرنسا شريكاً استراتيجيا في إفريقيا والفضاء المتوسطي، بينما تنظر الرباط إلى باريس باعتبارها قوة أوروبية مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، وقادرة على دعم العديد من المبادرات ذات البعد الإقليمي والدولي.

كما أن التعاون بين البلدين يشمل ملفات ذات أولوية، من بينها: مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة ثم ملف الأمن والهجرة وإدارة الحدود، بالإضافة إلى الاستثمار والتبادل التجاري والصناعي مع تعميق التعاون في مجال الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة، وقطاع التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين ثم التعاون في القارة الإفريقية، خاصة بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا لما تشكله مت عمق استراتيجي للبلدين.

وتأتي زيارة الوفد الوزاري الفرنسي برئاسة الوزير الأول، وفي إطار الاجتماع رفيع المستوى، لتؤكد أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة تقوم على التنسيق السياسي المنتظم، وتفعيل المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتعزيز الشراكة الأمنية، بما ينسجم مع الرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون.

وفي سياق إقليمي يتسم بتزايد التحديات الأمنية والجيوسياسية تبدو الرباط وباريس حريصتين على بناء نموذج متجدد للتعاون يقوم على الاحترام المتبادل، وتوازن المصالح، والانفتاح على آفاق أوسع داخل إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

صفوة القول إن الاجتماع رفيع المستوى ليس مجرد محطة دبلوماسية دورية، بل يعكس انتقال العلاقات المغربية الفرنسية إلى مرحلة أكثر نضجاً وإستراتيجية.

حيث أصبحت المصالح المشتركة والتحديات الإقليمية والتقارب السياسي عوامل أساسية في رسم مستقبل هذه الشراكة، بما يجعلها إحدى أهم العلاقات الثنائية بين المغرب وشركائه الأوروبيين، وأحد النماذج البارزة للدبلوماسية القائمة على الثقة والمصالح المتبادلة.

https://anbaaexpress.ma/yrkpl

الحسين أولودي

إعلامي باحث في الجغرافيا السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى