آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

الجنوب يعود من تحت الركام.. حين يهزم التمسّك بالأرض كل رهانات الحرب

أمس كانت فرصة القيام بجولة ميدانية في عدد من قرى المواجهة الجنوبية لمواكبة عودة الأهالي إلى بلداتهم ومنازلهم، ولمعاينة حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية

ليس الجنوب اللبناني مجرد مساحة جغرافية تقع عند الحدود مع فلسطين المحتلة، ولا مجرد مجموعة قرى وبلدات تعرّضت لحروب متعاقبة عبر العقود. الجنوب، بالنسبة لأبنائه، هو هوية كاملة، ذاكرة جماعية، وتاريخ طويل من الصمود والمواجهة والتضحيات.

لذلك، عندما تسير في طرقاته بعد الحرب، لا ترى فقط آثار الدمار والخراب، بل ترى أيضاً قصة شعب يرفض مغادرة أرضه مهما بلغت الأكلاف.

أمس كانت فرصة القيام بجولة ميدانية في عدد من قرى المواجهة الجنوبية لمواكبة عودة الأهالي إلى بلداتهم ومنازلهم، ولمعاينة حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية.

كانت الرحلة قاسية على المستوى الإنساني، وصادمة على مستوى المشهد العمراني، لكنها في الوقت نفسه حملت الكثير من المعاني والدلالات التي يصعب تجاهلها أو المرور عليها مرور الكرام.

منذ اللحظات الأولى للوصول إلى الجنوب، يتبدّى بوضوح أن الحرب لم تنتهِ فعلياً بالنسبة إلى الناس. صحيح أن الحديث يدور عن وقف لإطلاق النار، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن العدو الإسرائيلي لم يلتزم بصورة كاملة بهذا الوقف، إذ استمرت عمليات القصف والاستهداف ومحاولات التقدم في بعض النقاط، وبقيت الاعتداءات والخروقات والقنص حاضرة في المشهد اليومي.

ومع ذلك، كان المشهد الأكثر حضوراً هو عودة الأهالي إلى قراهم، وكأنهم يوجّهون رسالة واضحة بأن التهديدات الأمنية والدمار والظروف المعيشية القاسية لن تنجح في اقتلاعهم من أرضهم.

هذه العودة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها عودة سكان إلى منازلهم، بل هي فعل مقاومة بحد ذاته. فالذين عادوا يدركون تماماً أن مقومات الحياة الأساسية شبه معدومة في كثير من المناطق.

الطرقات متضررة، شبكات الكهرباء منهارة، المياه غير متوافرة بالشكل المطلوب، الاتصالات تعاني من مشكلات كبيرة، والمواد الأساسية ليست متاحة بسهولة. ومع ذلك، تجد الناس يعودون إلى بيوت مهدمة، أو إلى أراضٍ لم يبقَ فيها سوى الركام.

هناك حقيقة يكتشفها كل من يزور الجنوب في هذه المرحلة؛ ابن الجنوب لا يستطيع العيش بعيداً عن أرضه. العلاقة بين الجنوبي وأرضه ليست علاقة منفعة أو سكن فحسب، بل علاقة انتماء وجودي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يختار كثيرون العودة إلى قرى مدمرة بدل البقاء في أماكن النزوح التي وفرت لهم ظروفاً حياتية أفضل نسبياً.

هذا المشهد بحد ذاته يشكل رداً عملياً على كل الحملات التي شهدها لبنان خلال فترة النزوح، والتي روّجت لمخاوف ما سُمّي بالتغيير الديمغرافي، أو حذّرت من أن النازحين الجنوبيين لن يعودوا إلى قراهم بعد انتهاء الحرب.

يومها، ارتفعت أصوات في بعض الأوساط السياسية والإعلامية تتحدث عن خطر بقاء النازحين في المناطق التي استضافتهم، وظهرت حملات اعتراضية على مراكز الإيواء، ورفض البعض حتى تأجير المنازل للعائلات النازحة، وصولاً إلى الاعتراض على وجودهم في بعض المناطق.

اليوم، تأتي عودة الجنوبيين لتسقط تلك السرديات بالكامل. فهؤلاء الناس لم ينتظروا إعادة الإعمار، ولم ينتظروا عودة الخدمات، ولم ينتظروا الضمانات الأمنية الكاملة، بل عادوا بمجرد أن سنحت لهم الفرصة، لأنهم ببساطة يريدون أن يكونوا في أرضهم مهما كانت الظروف.

لكن العودة إلى الجنوب تعني أيضاً مواجهة مشاهد يصعب على أي إنسان أن يعتاد عليها. فمن العباسية ومعروب ودير قانون، حيث يبدو حجم الدمار كبيراً لكنه لا يزال أقل من مناطق أخرى، تبدأ الرحلة نحو مشاهد أكثر قسوة. كلما توغلت أكثر في قرى المواجهة، تتكشف أمامك صورة مختلفة تماماً للحرب.

في صريفا، وفي برج قلاوية، وفي الطيري وبئر السلاسل والسلطانية، تبدو آثار الاستهداف واضحة في كل زاوية. وصولاً إلى صفد وبرعشيت وشقراء ومجدل سلم والصوانة وخربة سلم، فتبنين وحاريص وايابًا نحو الشهابية وجويا.. فإن المشهد يتحول إلى ما يشبه شهادة حيّة على حجم التدمير الممنهج الذي استهدف الحجر والبشر معاً.

قرى كاملة تبدو وكأنها خرجت للتو من كارثة كبرى. منازل سويت بالأرض. أحياء اختفت معالمها. طرقات فقدت شكلها السابق. أبنية تحولت إلى أكوام من الإسمنت والحديد. وفي أماكن كثيرة، يصعب على الزائر أن يتعرف إلى الموقع الذي يقف فيه لو لم يكن يعرف البلدة مسبقاً.

ولا يقتصر الأمر على المنازل والمنشآت، بل يمتد إلى أماكن تحمل قيمة إنسانية ورمزية خاصة. ففي عدد من البلدات، يمكن مشاهدة الأضرار التي طالت المدافن والمقابر، وهي أماكن يفترض أن تكون بعيدة عن أي استهداف.

حين ترى القبور المدمرة والمعالم التي تغيرت بفعل القصف، تدرك أن الحرب لم تستهدف فقط الحاضر، بل حاولت النيل أيضاً من الذاكرة والرمزية والتاريخ.

ومع كل قرية تمر بها، يحضر الشهداء بقوة في المشهد. أسماء ولافتات وصور معلقة على الجدران المهدمة. شهداء رووا هذه الأرض بدمائهم، فتحولت ذكراهم إلى جزء لا يتجزأ من المشهد الجنوبي.

في الجنوب، لا يُنظر إلى الشهداء بوصفهم مجرد أرقام أو إحصاءات، بل باعتبارهم جزءاً من الحياة اليومية للناس. هم أبناء العائلات والجيران والأصدقاء والأقارب الذين دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضهم وقراهم.

لكن المفارقة اللافتة أن الحزن، على قسوته، لا يطغى بالكامل على المشهد. فإلى جانب الدمار، ثمة حياة تحاول أن تعود. وثمة إرادة جماعية واضحة لاستعادة ما يمكن استعادته.

تلتقي بأهالٍ يقفون أمام منازلهم المهدمة ويقولون ببساطة: “سننصب خيمة هنا ونبقى”. لا حديث عن مغادرة أو استسلام أو انتظار. كل ما يشغلهم هو كيفية البقاء بالقرب من أرضهم.

في صريفا المنكوبة، التقيت بعدة اطفال يلعبون والضحكة تملأ وجوههم، وعند سؤالي لهم اذا ما كانوا يريدون العودة الى المكان الذين نزحوا اليه، كانت اجابتهم بالرفض، وحدثني احد الاطفال كم هو سعيد “لأنني وجدت البيسيكلات بالبيت وفيي العب انا ورفقاتي عليها.”

في أكثر من بلدة، يمكن مشاهدة البلديات والأهالي وهم يعملون بإمكانات متواضعة جداً لفتح الطرقات وإزالة الأنقاض وتأمين الحد الأدنى من الخدمات. العمل يجري بما يمكن وصفه بـ”اللحم الحي”، في ظل غياب الإمكانات والموارد الكافية.

على طريق صفد البطيخ – شقراء، وسط الدمار الهائل، يلفت الانتباه مشهد يكثّف معنى التمسك بالحياة. كان يقف أمام محله الصغير الذي نجا بأعجوبة من الدمار المحيط به.

خلفه وعلى جانبه أبنية ومنازل ومحلات مهدمة، وأمامه طريق ما زالت آثار الردم تغطي أجزاء منها. ومع ذلك كان يتصرف وكأن البلدة تستعد ليوم طبيعي بحسب رأيه لانه يعرف اهل قريته والقرى المجاورة الذين سيعودون اليوم قبل الغد.

إلى جانبه، بائع خضار يرتب بضاعته بعناية ويرش عليها الماء وكأنه يستعد ليوم عمل طبيعي. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو عادية للبعض، لكنها في الحقيقة تختصر جوهر المشهد الجنوبي كله. إنها تعبير عن إرادة الحياة في مواجهة الدمار.

في المقابل، يبرز سؤال كبير لا يمكن تجاهله: أين الدولة اللبنانية من كل ما يجري؟

خلال الجولة، كان الغياب الرسمي لافتاً إلى حد كبير. فباستثناء بعض البيانات والمواقف الإعلامية، يصعب ملاحظة حضور فعلي للدولة بمؤسساتها المختلفة في عملية مواكبة عودة الأهالي.

لا حضور حكومياً بمستوى الكارثة. لا خطط واضحة تظهر على الأرض. لا مشهد لوزراء أو مسؤولين يقودون عمليات طوارئ واسعة في المناطق المتضررة.

هذا الغياب يطرح أسئلة مشروعة لدى أبناء الجنوب: هل هو عجز إداري ومالي؟ أم أنه خوف من الضغوط الخارجية؟ أم أن الجنوب لا يزال يُعامل لدى بعض الجهات الرسمية باعتباره ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله؟

مهما كانت الإجابة، فإن النتيجة واحدة بالنسبة إلى الأهالي، هم يواجهون تداعيات الحرب إلى حد كبير بإمكاناتهم الذاتية، وبالتكافل الاجتماعي المحلي، وبما توفره البلديات والجهات الأهلية.

في موازاة ذلك، لا يمكن فصل المشهد الميداني عن التطورات السياسية التي تدور في الخلفية. فخلال الساعات الماضية، كثرت الأحاديث عن محاولات يقوم بها بعض الأطراف اللبنانية لإعادة خلط الأوراق وربط الساحة اللبنانية بمشاريع سياسية جديدة تتجاوز واقع ما بعد الحرب وفصل لبنان عن المسار الإيراني.

وتتزامن هذه النقاشات مع توقيع الاتفاق الإيراني – الأميركي وما نتج عنه من انعكاسات على المنطقة ولبنان. فإن أحد العناوين الأساسية المرتبطة بهذا المسار يتمثل في تثبيت وقف الحرب على لبنان ومنع الانزلاق نحو مواجهة جديدة.

إلا أن ما يثير الانتباه هو أن بعض القوى السياسية اللبنانية لا تزال تتعامل مع هذه التطورات من زاوية مختلفة، وكأنها لم تستوعب بعد التحولات التي فرضتها الوقائع الميدانية.

فهناك من لا يزال يراهن على متغيرات خارجية لتحقيق أهداف سياسية داخلية، ومن لا يزال ينظر إلى الجنوب وأهله من خلال حسابات الانقسام السياسي التقليدية.

غير أن ما يظهر على الأرض يوحي بأن هذه الرهانات تصطدم بحقائق مختلفة تماماً. فكل جولة في القرى الجنوبية تكشف حجم التماسك القائم بين البيئة الشعبية والمقاومة.

وهذه ليست ملاحظة نظرية أو استنتاجاً سياسياً مجرداً، بل واقع يمكن لمسه مباشرة من خلال أحاديث الناس ومواقفهم وسلوكهم اليومي.

في القرى التي دفعت أثماناً باهظة من الشهداء والجرحى والدمار، لا يبدو أن الحرب نجحت في إحداث قطيعة بين الناس والمقاومة، بل على العكس تماماً.

فالغالبية الساحقة ممن التُقوا خلال الجولة عبّروا بوضوح عن تمسكهم بخيار المقاومة، واعتبارهم أنها شكلت على مدى العقود الماضية عامل الحماية الأساسي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

من التحرير عام 2000 إلى حرب تموز 2006، وصولاً إلى المواجهات الأخيرة، ينظر أبناء الجنوب إلى تجربتهم مع المقاومة باعتبارها جزءاً من تجربتهم الشخصية والجماعية.

ولذلك فإن النقاشات المتعلقة بسلاح المقاومة لا تُقرأ لديهم من زاوية سياسية مجردة، بل من زاوية مرتبطة مباشرة بالأمن والوجود والقدرة على مواجهة الأخطار.

قد يختلف اللبنانيون في مقارباتهم السياسية، وقد تتباين رؤيتهم للعديد من الملفات الوطنية، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الجنوب اليوم يقدم صورة واضحة عن شعب اختبر الحرب والاحتلال والتهجير والدمار، وخرج منها أكثر تمسكاً بأرضه وهويته وخياراته.

في النهاية، يبقى الجنوب قصة شعب لا يزال يرفض الانكسار رغم كل ما تعرض له. شعب يعود إلى الركام ليبني من جديد، ويزرع في الأرض التي رويت بدماء الشهداء أملاً جديداً بالحياة.

أما الرسالة الأوضح التي يحملها المشهد الجنوبي اليوم إلى الداخل اللبناني، فهي أن الرهانات على تبدل هوية هذه المنطقة أو على فك ارتباط أهلها بأرضهم أو بخياراتهم السياسية تبدو بعيدة عن الواقع.

فالناس الذين عادوا إلى منازل مدمرة، والذين نصبوا الخيام فوق الركام، والذين أعادوا فتح متاجرهم وسط الخراب، يقولون بلغة لا تحتاج إلى خطابات كثيرة إن الجنوب باقٍ بأهله ومقاومته، وإن هذه الأرض التي دفعت كل هذه التضحيات لن تُترك مهما اشتدت الضغوط وتبدلت الظروف.

وبين الركام والحياة، بين الشهداء والعائدين، بين الغياب الرسمي والحضور الشعبي، يكتب الجنوب فصلاً جديداً من حكايته الطويلة. حكاية عنوانها الأبرز أن الأرض لا يتركها أصحابها، وأن الشعوب التي تتجذر في ترابها قادرة دائماً على النهوض، مهما كان حجم الدمار ومهما عظمت التحديات.

https://anbaaexpress.ma/ngd6e

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى