ثقافة
أخر الأخبار

«تحوّلات اليسار في لبنان والعالم» لشادي منصور.. من زمن الثورة إلى البحث عن يسار جديد

يتناول الكتاب العلاقة المعقدة بين اليسار اللبناني والقضية الفلسطينية والحرب الأهلية والتدخل السوري ثم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وظهور جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمّول» وصولاً إلى التحولات التي رافقت صعود الحركات الإسلامية

صدر في بيروت عن دار زمكان للطباعة والنشر للكاتب والصحافي اللبناني شادي منصور كتاب جديد بعنوان «تحوّلات اليسار في لبنان والعالم ـ من الماركسية والثورة إلى النيوليبرالية والبحث عن يسار جديد» في عمل يتتبع المسار التاريخي والسياسي والفكري لليسار عبر رحلة واسعة تبدأ من لبنان وتنتقل إلى العالم العربي ثم إلى فرنسا وأوروبا ومنها إلى أميركا اللاتينية وكوبا قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي وتنتهي في الصين في محاولة لقراءة التحولات التي نقلت اليسار من زمن الثورة والصعود إلى زمن الأزمات والبحث عن معنى جديد لليسار في عالم تغيّرت فيه المجتمعات والطبقات وأشكال الرأسمالية.

ولا ينطلق الكتاب من الماركسية بوصفها البداية الوحيدة لتاريخ اليسار بل يعود إلى الجذور الأسبق للأفكار المرتبطة بالمساواة والعدالة الاجتماعية قبل أن ينتقل إلى ماركس وصعود الحركة الاشتراكية والشيوعية والثورات التي غيّرت وجه القرن العشرين ومن هذه الزاوية لا يقدّم منصور تاريخاً لماركس أو للشيوعية وحدهما بل يحاول رسم تاريخ أوسع لليسار بوصفه تياراً سياسياً واجتماعياً وفكرياً تعددت مدارسه وتجارب حكمه وثوراته وهزائمه وانقساماته.

ويحتل لبنان مساحة أساسية في الكتاب إذ يبدأ منصور من نشأة اليسار اللبناني والحركة العمالية والنقابية ويتوقف عند الحزب الشيوعي اللبناني وفرج الله الحلو والحركات النقابية والطلابية قبل الانتقال إلى هزيمة حزيران 1967 وولادة «اليسار الجديد» وتجربتي «لبنان الاشتراكي» ومنظمة العمل الشيوعي وصعود الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط.

كما يتناول الكتاب العلاقة المعقدة بين اليسار اللبناني والقضية الفلسطينية والحرب الأهلية والتدخل السوري ثم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وظهور جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمّول» وصولاً إلى التحولات التي رافقت صعود الحركات الإسلامية وتراجع الدور السياسي والتنظيمي لليسار ثم مرحلة ما بعد الحرب وصعود الحريرية والتحولات الاقتصادية والسياسية التي أعادت تشكيل المجتمع اللبناني.

ومن لبنان تتسع الدائرة نحو العالم العربي حيث يتتبع الكتاب تجارب اليسار والقومية والثورة والصراعات التي عرفتها المنطقة والأسئلة التي واجهت الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية في علاقتها بالسلطة والقضية الفلسطينية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي أعادت رسم المنطقة.

بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى فرنسا وأوروبا حيث كانت القارة واحدة من أهم ساحات الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية طوال القرن العشرين وحيث نشأت أحزاب شيوعية واشتراكية كبرى وحركات نقابية واسعة وبرزت تجارب سياسية وفكرية تركت تأثيراً عميقاً في تاريخ اليسار العالمي من فرنسا إلى إيطاليا وغيرها من المجتمعات الأوروبية وصولاً إلى التحولات التي أصابت اليسار الأوروبي مع تراجع الأحزاب الشيوعية وصعود النيوليبرالية وتبدل البنية الاجتماعية والاقتصادية للقارة.

ومن أوروبا تعبر الرحلة الأطلسي إلى أميركا اللاتينية حيث اتخذ اليسار وجهاً مختلفاً ارتبط بالثورات وحركات التحرر ومواجهة الهيمنة الأميركية والانقلابات العسكرية وتبرز كوبا بوصفها إحدى أكثر التجارب تأثيراً في المخيلة الثورية في القرن العشرين مع الثورة الكوبية وفيدل كاسترو وتشي غيفارا وما تركته تلك التجربة من أثر تجاوز حدود الجزيرة إلى أميركا اللاتينية والعالم.

ولا يتوقف الكتاب عند صورة الثورة المنتصرة بل يتتبع أيضاً تجارب اليسار في أميركا اللاتينية وما واجهته من انقلابات وقمع وصراعات سياسية واجتماعية وما شهدته القارة لاحقاً من عودة قوى يسارية إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع بما يعكس قدرة اليسار على تغيير أدواته بين الثورة والعمل المسلح والديمقراطية والانتخابات.

ومن أميركا اللاتينية ينتقل الكتاب إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث يبدو تاريخ اليسار مختلفاً عن التجارب الأوروبية واللاتينية فالرأسمالية الأميركية التي أصبحت مركز النظام الاقتصادي العالمي أنتجت في الوقت نفسه حركات عمالية ونقابية واحتجاجات اجتماعية وصراعات حول الحقوق والمساواة كما شهدت الولايات المتحدة تحولات أعادت في مراحل مختلفة أسئلة توزيع الثروة والضرائب والضمان الاجتماعي ودور الدولة إلى قلب النقاش السياسي.

ثم يصل الكتاب إلى الاتحاد السوفياتي والتجربة التي غيّرت مسار القرن العشرين منذ الثورة الروسية وصعود البلاشفة وبناء أول دولة كبرى قامت باسم الاشتراكية مروراً بالتصنيع والحرب العالمية الثانية وتحول الاتحاد السوفياتي إلى قوة عظمى وصولاً إلى أزماته الداخلية وسقوطه عام 1991 وما مثله ذلك السقوط من زلزال فكري وسياسي أصاب اليسار في مختلف أنحاء العالم.

ولا يقرأ الكتاب التجربة السوفياتية باعتبارها قصة انتصار أو فشل في اتجاه واحد بل يتوقف عند إنجازاتها وتناقضاتها وعلاقتها بالديمقراطية والسلطة والحزب الواحد والأثمان الإنسانية والسياسية التي دفعت في مراحل مختلفة كما يحاول فهم الأسباب التي جعلت الدولة التي خرجت من ثورة أرادت تغيير العالم تصل بعد أكثر من سبعة عقود إلى لحظة الانهيار.

وتنتهي الرحلة في الصين من الإمبراطورية التي تعرضت للإذلال والتدخلات الأجنبية إلى ولادة الحزب الشيوعي والثورة التي قادها ماو تسي تونغ ثم مرحلة ماو في السلطة بما حملته من أحلام كبرى وأثمان باهظة قبل الانتقال إلى التحول الذي قاده دنغ شياو بينغ عندما دخل السوق إلى الدولة التي بناها الشيوعيون.

ومن دنغ يصل الكتاب إلى الصين المعاصرة في عهد شي جين بينغ حيث يطرح واحداً من أكثر أسئلته تعقيداً حول ما بقي من الاشتراكية في دولة يحكمها الحزب الشيوعي فيما أصبحت في الوقت نفسه إحدى أكبر القوى الاقتصادية والتجارية في العالم.

وبذلك لا تكون الصين مجرد فصل أخير بل تصبح نقطة تتجمع عندها أسئلة الكتاب كلها حول الدولة والسوق والحزب والرأسمالية والاشتراكية وحول قدرة الأفكار على البقاء عندما تتغير المجتمعات التي حملتها.

وفي مقابل هذا الامتداد الجغرافي والتاريخي لا يقدّم الكتاب تاريخ اليسار باعتباره تاريخاً للانتصارات والبطولات وحدها بل يتوقف عند إخفاقاته وتناقضاته وعلاقته بالديمقراطية والسلطة والحزب الواحد كما يناقش أزمة الأحزاب الشيوعية التقليدية وقدرتها على فهم التحولات الاجتماعية التي غيّرت بنية الطبقات والعمل والرأسمالية نفسها.

ومن هنا يصل «تحوّلات اليسار في لبنان والعالم» إلى سؤاله المركزي حول ما يبقى من اليسار عندما تبقى الأسباب التي أدت إلى ظهوره فيما يتغير العالم الاجتماعي الذي منحه شكله التاريخي.

فالطبقة العاملة لم تختف لكنها لم تعد محصورة في صورة عامل المصنع التقليدي والرأسمالية لم تختف لكنها أصبحت أكثر مالية ورقمية وعولمة وعدم المساواة لم يتراجع فيما تغيرت أشكال العمل والهشاشة الاجتماعية وتوزيع الثروة ولذلك لا يبحث الكتاب فقط في أسباب تراجع اليسار بل في إمكان ولادة يسار جديد يستطيع قراءة عالم مختلف عن عالم ماركس ولينين والثورات الكبرى في القرن العشرين.

إنها رحلة تبدأ من بيروت ولبنان وتعبر العالم العربي وفرنسا وأوروبا وأميركا اللاتينية وكوبا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي قبل أن تصل إلى الصين ومن زمن كانت فيه الثورة تبدو وعداً قريباً إلى زمن أصبحت فيه الثورة نفسها جزءاً من التاريخ فيما بقيت الأسئلة التي أنجبت اليسار حاضرة بأشكال جديدة.

فالكتاب في النهاية لا يسأل فقط ماذا حدث لليسار؟ بل يطرح سؤالاً أكثر اتصالاً بالحاضر هل انتهت الحاجة إليه أم أن العالم الذي أنتج اليسار تغيّر أسرع من قدرة اليسار على تغيير نفسه؟.

https://anbaaexpress.ma/ljaer

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى