آراء
أخر الأخبار

هل الطفولة هي العودة للجنة حقا؟

أرسل لي الأخ خليل الحمصي تعليقا على ما كتبت حول الطفولة أنها العودة إلى الجنة فقال:

تعليق على وصف الطفولة بأنها العودة إلى الجنة.. !!!

ياسيدي الحكيم مقابل كل طفل سعيد عائد من الجنة . هنالك عشرة أطفال عائدين من الجحيم..

سجل عندك …فقر مدقع و شح في الغذاء و صحة متهتكة.. تشرد و رحلات لجوء فيها العذاب و القهر.

جهل مطبق و نشأة مظلمة في بيئة جاهلية قهر و ظلم وضرب من الأبوين تنمر مؤلم من الاخ الأكبر او الاخت الكبرى تحرش جنسي في المدرسة و الملعب و حتى في مخيمات الكشافة و ما شابهها..

والمآسي التي لحقت بالطفولة اكثر من ان تعد او توصف.. لقد أتاح لي اطلاعي اثناء ساعات العمل التطوعي على جانب بسيط جداً من أطفال التشرد و اليتم في سوريا على صور رهيبة لطفولة حزينة و جريحة و مهينة..

ولو خضع شباب اليوم للتحليل و العلاج النفسي لعرفنا سبب هذا الإجرام والتوحش و الانحلال الأخلاقي الذي بين ظهرانينا.. شتان بين الأبراج العاجية التي يسكن فيها المحظوظين والصوامع التي يعيش فيها الكتبة المفكرين وبين. واقعنا العربي لأطفال لا نعرف كيف سيكون مستقبلهم و مآلهم.

هكذا أعطى صديقي الفهيم الخليل انطباعه فأرسل آهاته فكان جوابي عليه التالي:

الفهيم الخليل: البيانو جميل بأصابع سوداء بجنب الكبسات البيضاء فتخرج اجمل الالحان. انظر إلى نصف الكاس الممتلئ. سطح القمر نصفه مظلم ونصفه مضيء طول الوقت ويقابلنا دوما. والحرارة هي بين +127 وناقص173.

والنفس سواها بين الفجور والتقوى. آدم سجدت له الملائكة وابليس طرد. تأمل تعاقب الليل والنهار وثلوج الشتاء وازهار الربيع. لحظات عناق الحبيبة والضرب في المعتقلات.

كما ترى هكذا ركبت الحياة فليحمد الله على كل بركة. ويصبر على اللحظات التعسات. بوركت ايها الفهيم.

أجاب صديقي الخليل:

أنعش الله قلبك بكل ما يسعدك و يسرك وجعل بهجة الألوان حولك قوس قزح يسر الناظرين.

احياناً أقرأك وكأنك تحمل سيفاً بتاراً واحياناً أقرأك وكأنك قيس بن الملوح او شكسبير يعيد صياغة روميو وجولييت.. اسعدني تعليقك واجمل التحية لك من بلاد الإنكليز وصلتها منذ اسبوع.

لك المحبة و التقدير..

فكان جوابي له: أظنك محظوظا يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا. وهنيئا لأولادك منك خالد ونسرين وما لا أعلم. سوف نذكر آهاتك في القسم الثالث من السيرة الذاتية، وهو ما أفعله بما أخط الآن.

في الواقع الحياة ألوان وجميل أن يتذكر اللحظات الجميلات وإن كان لا ينفك عن لحظات كالحات سوف ترد بين أسطري في السيرة التي أصيغها الأن.

أصدقاء الطفولة تعددت أديانهم وطبقتهم الاجتماعية وفي الحارة التي نشأت فيها في الحارة الوسطى من القامشلي في شارع تغلب رقم البيت 23 وكما ترون وهذا الكلام من عام 1950م حيث خطط الفرنسيون الذين استولوا على سوريا مدة 25 عاما خططوا المدينة على نحو جميل بشوارع متقاطعة وكأنها لوحة شطرنج.

بل سخروا النهر البسيط من فروع (جغجغ) حوضا للسباحة وفوقها وهو ما أشاهده في مدينة الجديدة المغربية التي سكنتها ما يسمى يورو مارشي أي السوق الأوربية كذلك كان الحال في القامشلي حيث خطط الفرنسيون وبنوا ما يسمى (العَرَصَة) بناء مربع يقوم على أعمدة هائلة من الحديد مسقوف بألواح من الزجاج داخله مربعات للبيع الأول حيث كان دكان والدي يواجه العرصة الأولى مخصص لبيع الفاكهة والخضراوات ومن الملفت للنظر أنها أمكنة مرفوعة عن الأرض وسطحها بميل خفيف فترى وتشتري وهو الموجود أيضا في مدينة الجديدة المغربية يورومارشي. والثاني كان لبيع الخضار واللحوم خاصة.

هذه اللفتات لم نراها في السعودية ولو بعد مرور نصف قرن. أيضا تمديد الكهرباء والتصريف الصحي ويسمونها في المغرب القادوس في القامشلي اسمه (كهريز) وهكذا عاصرت أنا وفي خمسينات القرن الفائت تمديد المياه الحلوة وإضاءة البيوت بالنور وتخطيط المدينة بشوارع متقاطعة بالأسفلت.

وهذه الأمورعاصرناها فأنا أتذكر تماما فترة القنديل والماء الذي يسحب من البئر حيث اشترى والدي بيتا في الحارة الوسطى هو في الواقع نصف بيت حيث فضل صاحب (الحوش) قسمة البيت وفي وسطه البئر فأقام جدارا يقسم البيت الى اثنين وفي الوسط البئر. فهذه هي صورة عن الحارة والبيت والعائلة التي نشأت فيها.

وهنا أبدأ بتذكر أصدقاء الطفولة. كان منهم صديقي رافع أبو الحسن الدرزي وجودت علي العلوي وجيجي وهابو الأرمن وآخر الياس من السريان كانوا في البيت المواجه لنا واحد اسمه حبيب رأسه أصلع من مرض أصابه فكان يغطي صلعته وآخر اسمه لبيب هو أخوه ولكن ربما من أم أخرى حيث كانوا أكثر من عائلة ولا ننسى أن اضيف صديقنا نجم الذي كان من ملتنا (ماردليين) أي أن أصولهم من مدينة ماردين التركية وكان يواجهنا ولم تكن جيرته بالمريحة.

كذلك صديقي محمد عزيز الكردي الذي فقد عينه منذ الطفولة وكانت الأمراض منتشرة من التراخوما وسواها الذي اجتمعت به في مونتريال الكندية بعد نصف قرن من الزمان وقد ركب عينا زجاجية، والرجل أصبح من القيادات الكردية السياسية.

وكان بشير الخطيب من أحب أصدقائي وهو أيضا من ملتنا الماردلية وأبوه من بيت الخطيب (أحمد) وأمه سعاد الجميلة. ولي قصص خاصة معه سوف أرويها في حلقة أخرى، وكما ترون فهي خلطة عجيبة من الأصدقاء.

كنا نلعب سوية ولم يكن يخطر في بالنا أن هذا سرياني والثاني كردي والثالث علوي أو درزي. وهكذا هم الأطفال حتى تأتي التلقينات كما ذكرها الغزالي فينشأون على دين مختلف.

كان أخي الأكبر رياض مع إصابته بالشلل (بوليو Polio) ذو شخصية قوية وهو كذلك حتى اليوم، وكنا تحت أمرته في مجموعة من الأطفال ندخل أحيانا المعارك تحت أمرته. لم يكن يقاتل واقفا ولكنه إن أمسك بخصمه على الأرض فله الويل، وكنت أنا فارس الحلبة حين تبدأ معارك الأطفال.

أحد تلك المعارك نشبت حين اجتمعت مجموعتنا مع مجموعة منافسة بجنب نهر (جغجغ) وليس من يفض الاشتباك. وكان يوم وقفة العيد وأصبت برض شديد في ذراعي وكل تخوفي أن يكون ذراعي كسر ولكن نجوت وكانت معركة رهيبة اشتبكت مجموعتنا بمجموعة منافسة لماذا لم يكن توجيه لنا بروح سلامية مع الآخرين؟ الجواب هكذا نشأنا وهذا هو الجو فلا عجب أن نرى تنافسات الكبار ليس في معارك بسيطة بل دموية جدا كما رأيت البارحة فيديو مسجل لصدام وهو يتهم 68 شخصا في قاعة الخلد بالخيانة وهو يدخن سيجار كوبي ويقول ما جزاء الخيانة ليصمت برهة ثم يقذف بالكلمة المدوية: السيف.

لم يكتف باعتقال المذكورين بالأسماء حيث كان يذكر الاسم ويقول ردد شعارات الحزب ثم يلقى القبض عليه لينتهي قسم منهم بالإعدام وعلى يد رفاقهم في الحزب.

أذكر كل هذا لأقول عن أثر الطفولة في إخراج هذه الأمساخ من البشر. وبالتأكيد لو فتش الإنسان عن طفولة صدام وأين عاش وكيف؟ لما تعجب كثيرا من تسلقه إلى السلطة ثم بطشه المروع بأٌقرب الناس إليه ليس فقط من رفاق الحزب بل رمّل بناته وقتل أصهاره ويتم أحفاده.

https://anbaaexpress.ma/iyyzv

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى