آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

بعد الحرب: المعركة على الجنوب الذي سيولد من الركام

قد يكون من السهل، في اليوم التالي لأي حرب، اختصار المشهد بكلمتين: إعادة الإعمار. كأن المسألة تبدأ من الأبنية المهدّمة وتنتهي عند إعادة بنائها، وكأن الأموال المطلوبة معروفة، والجهات التي ستدفع معروفة، ثمّة من يتولى التنفيذ، وينتهي الأمر.

لكن لبنان لا يملك هذا الترف.

في بلدٍ لم تكن الدولة فيه، تاريخياً، مجرد مؤسسة ضعيفة في مواجهة قوى سياسية أو عسكرية، بل دولة متفاوتة الحضور بين منطقة وأخرى، وبين طائفة وأخرى، وبين المركز والأطراف، تصبح إعادة الإعمار سؤالاً سياسياً بامتياز.

والسؤال لا يتعلق فقط بمن سيدفع كلفة إعادة بناء ما تهدّم، بل بمن سيمسك بمفاتيح المرحلة التالية، ومن سيحدد أولوياتها، ومن سيضع قواعدها، والأهم: أي لبنان يُراد له أن يخرج من تحت الركام؟

في الجنوب تحديداً، تبدو المسألة أكثر تعقيداً.

فالقول إن الدولة «ستعود» إلى الجنوب بعد الحرب يفترض، ضمناً، أنها كانت حاضرة فيه حضوراً كاملاً ثم غابت. وهذه رواية ناقصة.

الدولة كانت موجودة، بالطبع، بوصفها سلطة وإدارة وجباية ومؤسسات أمنية وقضائية، لكنها لم تكن موجودة دائماً بالمعنى الذي يحتاجه مجتمع يريد أن يشعر بأن الدولة هي مظلته الأولى: في الإنماء، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، والبنى التحتية، والاستثمار، والحماية الاجتماعية.

وهذا الواقع ليس وليد الحرب الأخيرة، ولا يمكن تفسيره فقط من خلال صعود المقاومة أو التحولات الأمنية التي شهدها الجنوب. جذور المسألة أقدم بكثير.

لعقود طويلة، بقيت مناطق واسعة من الجنوب تعاني من تفاوت واضح في التنمية والخدمات وفرص الاستثمار، فيما كان الاحتلال الإسرائيلي والحروب والاعتداءات المتكررة يضيفون طبقة أخرى من عدم الاستقرار.

في مثل هذه البيئة، لا يمكن فهم نشوء المقاومة وتحوّلها إلى بنية اجتماعية وسياسية وعسكرية واسعة بمعزل عن الظروف التي نشأت فيها. قد يختلف اللبنانيون جذرياً في تقييمهم السياسي للمقاومة وسلاحها ودورها، لكن تجاهل السياق الذي سمح لها بأن تصبح جزءاً من حياة مجتمع كامل يجعل أي مقاربة لمرحلة ما بعد الحرب سطحية منذ البداية.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.

إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فقط. إنها، في ظروف لبنان، عملية إعادة توزيع للموارد والعلاقات والنفوذ. المدرسة التي ستُبنى، والمستشفى الذي سيُرمّم، والطريق الذي سيُفتح، والمؤسسة التي ستتلقى التمويل، والمصرف الذي سيموّل المشاريع، والجهة التي ستشرف على الإنفاق، كلها عناصر في صورة أكبر من مجرد ورشة إعمار.

ومن يدفع المال لا يصبح بالضرورة صاحب القرار. لكن من يملك القدرة على تنظيم تدفق المال، ووضع شروطه، وتحديد المؤسسات التي تديره، ومراقبة طريقة إنفاقه، يستطيع أن يمتلك تأثيراً كبيراً في شكل المرحلة المقبلة.

وهنا تحديداً يصبح الحديث عن الدور الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب ضرورياً.

بحسب ما ورد في وثائق وتقارير نُشرت أخيراً ونُسبت إلى دوائر أميركية معنية بالملف اللبناني، فإن واشنطن لا تنظر إلى إعادة إعمار لبنان باعتبارها مشروعاً إنسانياً واقتصادياً منفصلاً عن الصراع السياسي والأمني في المنطقة.

إحدى الأفكار المطروحة في هذه الوثائق تتحدث عن برنامج واسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، بالتوازي مع ترتيبات أمنية وسياسية، وعن إمكان حشد تمويل دولي وعربي كبير لإعادة الإعمار.

هذه المعطيات، إذا ثبتت تفاصيلها، تكشف شيئاً مهماً في طريقة التفكير الأميركية: المال ليس خارج السياسة.

ولا يعني ذلك أن كل مدرسة أو مستشفى أو طريق يُموّل من الخارج يصبح مشروعاً أميركياً. هذه قراءة مبسطة لا تصمد أمام الواقع. الدول والمؤسسات المانحة قد تدفع لأسباب إنسانية أو اقتصادية أو سياسية مختلفة، وقد تتقاطع مصالحها من دون أن تكون متطابقة.

لكن السؤال يبدأ عندما يتحول التمويل من استجابة لحاجات الناس إلى منظومة متكاملة لها أولويات وشروط وآليات رقابة ومؤسسات تنفيذ مرتبطة بالخارج.

عندها يصبح المال قادراً على صناعة نفوذ طويل الأمد.

فالجهة التي تموّل تستطيع أن تسأل: من ينفذ؟ أين تذهب الأموال؟ ما الأولويات؟ كيف تُراقب العقود؟ ما المؤسسات التي تتولى المشاريع؟ وما القواعد التي تحكم العلاقة بين الدولة والجهات المانحة؟

ومن هنا، يمكن أن يصبح مشروع إعادة الإعمار جزءاً من مشروع أكبر لإعادة تنظيم الدولة نفسها.

وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في الجنوب.

فالولايات المتحدة، كما يظهر من القراءة المنسوبة إلى بعض دوائرها ووثائقها، لا تتعامل مع مسألة المقاومة باعتبارها ملفاً عسكرياً صرفاً.

ثمة فهم لدى بعض واضعي السياسات بأن النفوذ الذي تتمتع به المقاومة في بيئتها لم يُبنَ بالسلاح وحده، بل تشكل عبر عقود من الخدمات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي ظل ضعف الدولة أو غيابها في مجالات كثيرة.

وبالتالي، فإن محاولة تغيير هذه المعادلة لا تكون بالضرورة عبر مواجهة مباشرة. يمكن أن تبدأ من إعادة بناء شروط الحياة نفسها: الدولة، الاقتصاد، الخدمات، المؤسسات، فرص العمل، وإدارة الأموال.

بمعنى آخر، يصبح السؤال الأميركي المحتمل أقل ارتباطاً بكيفية نزع السلاح فقط، وأكثر ارتباطاً بكيفية تغيير البيئة التي جعلت المقاومة جزءاً من معادلة المجتمع.

وهذا يفسر أهمية الجنوب في أي تصور لمرحلة ما بعد الحرب.

فالجنوب ليس مجرد منطقة جغرافية تحتاج إلى إعادة بناء. إنه المنطقة التي ارتبط اسمها، على مدى عقود، بالصراع مع إسرائيل وبالمقاومة وبالاحتلال والتحرير. وبالتالي فإن إعادة إعمارها تحمل، في أي مشروع سياسي كبير، دلالة تتجاوز الإسمنت والطرق والمنازل.

إذا استطاعت الدولة أن تقدم لسكان الجنوب ما حُرموا منه طويلاً، من دون أن تجعل ذلك ثمناً سياسياً أو أمنياً، فإنها تكون قد حققت تحولاً حقيقياً في علاقتها بالمجتمع.

أما إذا جرى استخدام الإعمار لإعادة تشكيل الولاءات أو فرض معادلة سياسية جديدة من الخارج، فإن العملية تصبح شيئاً آخر تماماً.

وهنا يجب التمييز بين فكرتين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: استعادة الدولة لدورها، واستعادة الدولة لدورها وفق شروط الآخرين.

لبنان يحتاج بالفعل إلى دولة أكثر حضوراً. لكن الدولة لا تُستعاد بإرسال القوى الأمنية إلى منطقة، ولا برفع مستوى الرقابة عليها، ولا بتكليفها فقط بفرض احتكار السلاح. الدولة تصبح حاضرة عندما يكون ابن الجنوب قادراً على الذهاب إلى مدرسة جيدة، وعلى الوصول إلى مستشفى، وعلى إيجاد فرصة عمل، وعلى الاستثمار في أرضه، وعلى الوصول إلى قضاء عادل، وعلى أن يشعر بأن مؤسسات الدولة موجودة في حياته اليومية لا فقط عند الحواجز وفي مراكز الإدارة.

وهذا تحديداً ما يجعل إعادة الإعمار فرصة حقيقية، وفي الوقت نفسه ساحة صراع حقيقية.

فالأموال العربية والخليجية والدولية التي يمكن أن تتدفق إلى لبنان بعد الحرب قد تكون ضرورية، وربما لا يستطيع لبنان وحده تحمل الكلفة الهائلة لإعادة البناء. لكن المشكلة ليست في دخول الأموال، بل في النموذج الذي ستُدخل عبره.

هل ستكون أموالاً تأتي إلى الدولة اللبنانية وتخضع لسيادتها ومؤسساتها وقوانينها وآلياتها الرقابية؟

أم ستنشأ، تحت عنوان الكفاءة والشفافية، منظومات موازية تتولى تحديد المشاريع، وإدارة التمويل، واختيار الشركات، وتوزيع الأولويات، بحيث يصبح القرار الاقتصادي موزعاً بين بيروت وعواصم المانحين؟

الفارق بين النموذجين ليس تفصيلاً إدارياً.

في الحالة الأولى، يستفيد لبنان من الخارج. وفي الثانية، يبدأ الخارج بالمشاركة في تحديد شكل لبنان.

وهنا تكمن أهمية الحديث عن «الهيئات» التي قد تتولى إعادة الإعمار، وعن الرقابة الدولية، وعن آليات الدفع المباشر، وعن المؤسسات التي قد تُنشأ لإدارة الأموال.

فكل هذه الأفكار يمكن أن تكون مفيدة إذا كان هدفها منع الفساد والهدر وحماية أموال المانحين والمواطنين. لكن الأدوات نفسها يمكن أن تتحول، إذا ارتبطت بشروط سياسية وأمنية، إلى وسيلة للتأثير في القرار الوطني.

المشكلة إذن ليست في الرقابة بحد ذاتها، ولا في الشفافية، ولا في الرقمنة، ولا حتى في التمويل الخارجي. المشكلة في السؤال الذي يأتي بعد ذلك: من يضع قواعد هذه المنظومة، ولمن تكون مساءلة مؤسساتها؟

وهذا السؤال لا يخص الجنوب وحده.

لبنان الخارج من حرب كبيرة سيكون في حاجة إلى المال، وإلى إعادة هيكلة اقتصاده، وإلى معالجة أزمة المصارف والودائع، وإلى إصلاح مؤسساته، وإلى استعادة قدرته على الاستثمار. وهذه كلها ملفات تتيح للدول الكبرى والمؤسسات الدولية مساحة واسعة للتأثير.

يمكن للمال أن يساعد في إعادة بناء الاقتصاد، لكنه يستطيع أيضاً أن يعيد تشكيله.

يمكن للرقمنة أن تقلل الفساد، لكنها قد تجعل الدولة أكثر ارتباطاً بالبنى التقنية والمالية التي تأتي معها.

يمكن للدعم الدولي للجيش أن يعزز قدرته على حماية الحدود، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً واسعاً للعلاقة بين المساعدات الأمنية وبين العقيدة العسكرية والسياسات التي يراد للبنان أن يتبناها.

لذلك، لا يمكن فصل النقاش حول إعادة الإعمار عن النقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية نفسها.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن الجيش والمقاومة أكثر تعقيداً مما توحي به الشعارات السياسية المتداولة. فالمطلوب بعد الحرب ليس فقط الإجابة عن سؤال من يحمل السلاح، وإنما أيضاً الإجابة عن السؤال الأوسع: ما الاستراتيجية الدفاعية التي يريدها لبنان؟ وكيف تُحمى الحدود؟ وكيف تُردع إسرائيل؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الرسمية؟ وكيف يُدار القرار السيادي في بلد ما زال يعيش عملياً في منطقة صراع مفتوحة؟

هذه الأسئلة لا تُحل ببيانات سياسية، ولا يمكن اختزالها في عبارة «عودة الدولة» أو «نزع السلاح».

كما أن تجاهل وجود إسرائيل كعامل دائم في المعادلة اللبنانية لا يجعل المشكلة تختفي. الجنوب الذي يُطلب منه اليوم أن يصبح مساحة استقرار واستثمار وإعمار هو نفسه الجنوب الذي عاش عقوداً من الاحتلال والاعتداءات، ولا تزال حدوده جزءاً من نزاع لم تُحسم كل عناصره.

ولهذا فإن أي مشروع لإعادة بناء الجنوب لا يمكن أن يكون ناجحاً إذا تعامل مع الأمن كأنه مسألة داخلية فقط.

هناك أيضاً مسألة أكثر عمقاً تتعلق بالناس أنفسهم.

إذا جرى النظر إلى سكان الجنوب باعتبارهم مجرد «بيئة» سياسية ينبغي تغيير خياراتها، فإن كل مشروع اقتصادي سيفقد جزءاً من شرعيته الاجتماعية مهما بلغت قيمة الأموال التي يحملها.

الناس لا يعيشون في تقارير المانحين. لديهم ذاكرة، وتجارب، وخسائر، وعلاقات اجتماعية، ونظرة إلى الدولة وإلى المقاومة وإلى إسرائيل وإلى الخارج تشكلت عبر عقود.

ولا يمكن لأي مبلغ من المال أن يمحو هذه الذاكرة.

يمكن للمال أن يبني بيتاً، لكنه لا يشتري ذاكرة صاحبه.

يمكن أن يبني مستشفى، لكنه لا يحدد وحده كيف ينظر مجتمع كامل إلى مفهوم الحماية.

ويمكن أن يفتح طريقاً أو يخلق فرصة عمل، لكنه لا يستطيع بقرار مالي أن يعيد تعريف علاقة الناس بتاريخهم السياسي.

لهذا فإن الرهان على الإعمار باعتباره وسيلة سريعة لإعادة تشكيل المجتمع قد يصطدم بواقع أكثر تعقيداً مما تتوقعه غرف التخطيط.

لكن ثمة عاملاً لا يمكن لأي خطة لإعادة الإعمار أن تتجاهله: علاقة الجنوبيين بأرضهم وبالمقاومة التي تشكلت تجربتهم معها عبر عقود. بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء الجنوب، ليست المقاومة ظاهرة سياسية عابرة يمكن أن تتغير مواقفهم منها بمجرد وصول الأموال أو تبدل موازين القوى.

إنها مرتبطة بذاكرة الاحتلال، وبسنوات طويلة من المواجهة، وبأسماء رجال ونساء سقطوا دفاعاً عن قراهم وبلداتهم، وبالتجربة التي انتهت بانسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000.

ومن هذه الزاوية، فإن الرهان على أن الإعمار أو المساعدات الخارجية يمكن أن يشتري ولاء الجنوبيين أو يعيد صياغة خياراتهم السياسية يبدو أكثر تعقيداً مما قد توحي به بعض التصورات الخارجية.

فالمال يستطيع أن يعيد بناء منزل هُدم، وأن يصلح طريقاً، وأن يرمم مدرسة أو مستشفى؛ لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيد كتابة ذاكرة مجتمع عاش الاحتلال والحروب، أو أن يمحو صورة من قاتل ودفع حياته ثمناً لأرضه.

وهنا تحديداً تظهر حدود أي مشروع لإعادة تشكيل الجنوب من الخارج. فحتى الذين يختلفون مع المقاومة في لبنان سيجدون صعوبة في تجاهل حقيقة أن علاقتها بجزء كبير من أبناء الجنوب تشكلت عبر تجربة تاريخية طويلة، وأن الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 يمثل محطة مركزية في هذه الذاكرة.

ولذلك، فإن أي قراءة تتعامل مع الجنوبيين باعتبارهم كتلة يمكن تغيير خياراتها بمجرد ضخ الأموال ستكون قراءة تختزل مجتمعاً معقداً في معادلة مالية.

أما مستقبل المقاومة نفسها، فسيبقى مرتبطاً، في نظر مؤيديها، بالمعادلة التي نشأت منها: الأرض والاحتلال والقدرة على حماية الجنوب. هؤلاء لا ينظرون إلى تحرير عام 2000 باعتباره نهاية القصة، وإنما باعتباره تجربة تثبت، من وجهة نظرهم، أن معادلة القوة التي صنعتها المقاومة يمكن أن تتكرر عندما تتعرض الأرض لاحتلال أو اعتداء جديد.

ومن هنا، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن يفترض مسبقاً أن المقاومة ستختفي لمجرد أن الحرب انتهت أو أن الأموال تدفقت لإعادة الإعمار.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن تنتبه إليه أي جهة تفكر في إعادة صياغة الجنوب من الخارج: إعادة بناء الحجر لا تعني إعادة بناء الإنسان بالطريقة نفسها. المجتمع الذي دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضه لن يتعامل مع الإعمار باعتباره صفقة سياسية، ولن ينظر بالضرورة إلى المال القادم من الخارج باعتباره بديلاً عن ذاكرته أو خياراته.

لذلك، فإن نجاح أي مشروع لإعادة إعمار الجنوب سيتوقف أيضاً على قدرته على احترام هذه الحقيقة، لا على محاولة الالتفاف عليها.

لكن ذلك لا يعني أن لبنان يجب أن يرفض المساعدة الخارجية. على العكس، سيكون من غير الواقعي تصور إعادة إعمار شاملة من دون مساهمة عربية ودولية كبيرة.

المسألة هي في كيفية إدارة هذه المساعدة، وفي قدرة الدولة اللبنانية على تحويلها من أداة نفوذ خارجي إلى مورد وطني يخدم المجتمع كله.

وهنا تقع المسؤولية أيضاً على الدولة اللبنانية نفسها.

إذا كانت مؤسساتها ضعيفة وفاسدة وغير شفافة، فإن الخارج سيجد مساحة أكبر للتدخل. وإذا كانت إدارة المال العام عاجزة، فإن الجهات المانحة ستطالب بإدارة أموالها عبر آليات خارجية. وإذا لم تكن هناك خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار، فسيأتي كل مانح بخطته وأولوياته وشروطه.

عندها لا يعود لبنان هو من يدير المساعدة، بل تصبح المساعدة هي التي تدير جزءاً من لبنان.

هذه ليست مسألة نظرية.

فلبنان الذي يدخل مرحلة ما بعد الحرب مثقلاً بأزمة مالية ومصرفية، وبخسائر هائلة، وبانقسامات سياسية وطائفية عميقة، سيكون أكثر عرضة من أي وقت مضى لتداخل المال بالسياسة. وفي بلد اعتاد تاريخياً أن تكون أبوابه مفتوحة أمام النفوذ الإقليمي والدولي، فإن حجم الأموال المتوقع دخوله في مرحلة الإعمار يمكن أن يجعل الاقتصاد نفسه إحدى ساحات الصراع على النفوذ.

ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط حول من يربح الحرب أو من يخسرها.

قد تكون حول من يحدد شكل اليوم التالي.

واشنطن لديها تصورها للبنان، وإسرائيل لديها حساباتها الأمنية، والدول العربية والخليجية لديها مصالحها، والمؤسسات الدولية لديها شروطها، والقوى اللبنانية لديها حساباتها ومخاوفها.

وفي المقابل هناك مجتمع لبناني يريد ببساطة أن يعود إلى حياته، وأن يعيد بناء منزله، وأن يستعيد عمله، وأن يعرف ماذا سيحدث لمدخراته ومستقبل أولاده.

بين كل هذه المستويات، ستصبح إعادة الإعمار واحدة من أكبر ساحات التفاوض على مستقبل لبنان.

والجنوب سيكون في قلبها.

ليس لأنه مجرد «بيئة» يُراد تعديلها، ولا لأنه مجرد منطقة تحتاج إلى الأموال، بل لأنه يحمل في تركيبته كل التناقضات اللبنانية، الدولة والمقاومة، الاحتلال والتحرير، الحرمان والتنمية، الداخل والخارج، السلاح والسيادة، والمال والسياسة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق وصول الأموال ليس: كم مليار دولار سيأتي إلى لبنان؟

بل: ما الذي سيأتي مع هذه المليارات؟

من سيحدد أولوياتها؟ من سيديرها؟ من سيراقبها؟ ما الشروط السياسية والأمنية المرتبطة بها؟ وما الذي سيبقى من القرار اللبناني بعد أن تصبح عملية إعادة البناء مرتبطة بشبكة واسعة من المانحين والمؤسسات الدولية والدول الإقليمية؟

فالمال يمكن أن يبني مدرسة، ويمكن أن يبني مستشفى، ويمكن أن يعيد إعمار قرية كاملة.

لكنه يستطيع أيضاً، إذا دخل ضمن مشروع سياسي متكامل، أن يبني نفوذاً.

وهذا لا يعني رفض المال، بل يعني معرفة ثمنه وشروطه وحدوده.

بعد الحرب، لن يكون لبنان أمام ورشة إسمنت ضخمة فقط. سيكون أمام لحظة إعادة تعريف لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولعلاقة لبنان بالخارج، ولعلاقة الاقتصاد بالسياسة، ولعلاقة الأمن بالسيادة.

والتحدي الحقيقي هو ألا يتحول الركام إلى فرصة لإعادة بناء لبنان وفق خرائط الآخرين.

فلبنان يحتاج إلى إعادة إعمار، نعم.

لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أن يعرف من يملك حق تحديد لبنان الذي سيُبنى فوق هذا الركام. 

https://anbaaexpress.ma/ht0yi

داني م. الأمين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى