
جاءتني هذه الرسالة من أحد القراء:
الدكتور المكرم/ خالص جلبي.. السلام عليكم ورحمة الله.. أتابع مقالاتك ولقد قرأت في “الأعلام” للزركلي ترجمة القاضي شعيب بن سهل (المتوفى 246 هـ) وفيها:” قاض، من الجهمية، يقول بخلق القرآن ونفي الصفات والرؤية.. وُلَّي قضاء الرصافة أيام المعتصم، وكتب على باب مسجده: “القرآن مخلوق” فأحرقت العامة بابه سنة 227 هـ ونهبت بيته، قال مؤرخ بغداد: “وهو أول قاض أحرق بيته، وانتهب منزله، فيما بلغنا، وعزل من القضاء سنة 228 هـ”.. وعلى افتراض أن هناك سوء تصرف في القصة، وعلى افتراض صحة القصة قبل ذلك.. ومن خلال قراءتي لمقالتي وأفكارك.. أحب أن أتعرف رأيك في الآتي:هل من تصرف تصرفا خاطئا العامة؟ أم القاضي؟ أم الشيوخ الذين مارسوا التلقين في عقول العامة؟ أم المعتصم وابن أبي دواد (السلطة)؟ أم من؟
وكان جوابي له: أولاً يجب أن أقول إنك رجل متقد الفكر فمن سأل نما ومن قرر مات وخبا، وسؤالك هذا فلسفي وجودي. وفي يوم كنت معتقلا عند الرفاق الثوريين من البعثيين، ويومها اعتقلت أنا ودراجتي النارية زيادة في الاحتياط الاشتراكي، وحين دنت ساعة الإفراج بعد أن قضيت في المنفردة 54 يوما ولا أتمناها لمن اعتقلني من الرفاق، جلس إلى جانبي عنصر مخابرات كبير الجثة عظيم الشاربين، ولا أدري ما الذي جعله يسألني؟ ربما لتأنيب ضمير وكوني معتقل من أجل الضمير فأنا نظيف الضمير.
قال يا أستاذ وهم في سوريا يستخدمون هذه اللفظة تفخيما. قال ما رأيك في مهنتنا؟ قلت له: ليس عندي رأي ولكن الله أبدى رأيه فيكم؟ ارتعب وسأل بصوت لا يخلو من الهلع والدهشة: الله له رأي فينا؟ قلت: نعم، قال الله فيكم: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين. سأل بتوسل: هي مهنتي فماذا أعمل؟ قلت له أشرف لك أن تذهب إلى سوق البصل فتشتغل فيه عن أخذ راتبك بجلد الناس وتعذيبهم؟ وشاهدي من قصة عنصر المخابرات السوري حيث كنت معتقلا يومها في (كركون الشيخ حسن) وكلمة كركون أصلها من التركية ولعلها تعني الحبس ونظارة التوقيف وما شابه، ومكانها في حي الميدان من سوريا، وزرت المكان عام 1993م فكان مغلقا مهجورا وتمنيت أن أدخله فأتذكر تلك الأيام النحسات والمحقق الديري يوسف طحطوح الجلاد الأكبر.
أقول إن الآية القرآنية وزعت الخطأ على كل هرم الخطأ بدء من فرعون رأس السلطة وانتهاء بالجنود الذين يخيل إليهم أنها أوامر تلقوها ونفذوها وليس عليهم جناح من فعل أي شيء طالما كانوا أدوات يطيعون الأوامر، والقرآن يقرن المسئولية يوم القيامة بالفرد فلا تحمل وازرة وزر أخرى، ولاينفع المرء أقرب الناس إليه من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
وفي هذا الإطار تأتي أيضا قصة الإفك من سورة النور فهي توضح أيضا مسئولية طائفة من الناس مع فارق الدرجة في الإثم فكان القرآن في غاية الدقة حين قال إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم. وبذلك لم يبق الموضوع مناطا بفرد لأن العمل الإنساني في غالبه اجتماعي، وحافظ أسد الذي دمر مدينة حماه على رؤوس أهلها عام 1982 ثم ابنه البراميلي فهدم معظم سوريا لم يقم بيده الخاصة بل بأعوانه من سريا الدفاع والصراع وفرق الاقتحام والمداهمة التي كان يقودها أمثال كنعان وآصف شوكت المطلوب في قتل الحريري بعد 23 سنة من مذبحة حماة في الوقت الذي ختم كنعان حياته برصاصة في الدماغ أو فجرت في رأسه فلا فرق كبير، والله يمد للظالمين مدا.
وهكذا فالقرآن قال إن الذي جاؤوا بالإفك عصبة منكم لاتحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.
ومن الآية تتدفق حزمة من المعاني الجميلة فالشر ليس شرا كاملاً بل هو بلورة من الألماس متعددة الوجوه بعضها خير فلننظر الموضوع من هذه الزاوية، والإجرام تقوم به عصابة فمنهم من تفتق ذهنه عن الفكرة ومنهم من تولى التخطيط والتمويل فتولى كبرها وأقلهم شأنا المنفذين وإن كانوا هم اليد العارية لإنفاذ الأمر. والأنظمة السياسية تفعل بنفس القانون مثل ستالين وبيريا والرفاق الثوريين.
أو هتلر وغوبلز وروهم والعصابة النازية، وينطبق هذا على صدام وعصابته من طارق عزيز وبرزان التكريتي ووزرءاه وأعوانه وأدوات جلده وتعذيبه، فكيف تحدد المسئولية؟ في الواقع إن محاكمات نورمبرغ بدأت عام 1946 على نحو سليم واختتمت على نحو سقيم حين قالت في البداية أن كل من ساهم في الحرب وسعى لها مجرم ولكن من انتهى على المقصلة كان مجرمو النازية وبذلك نجا ترومان وستالين كأبطال، وكلا الاثنان مجرمان يشتركان في الجريمة ويختلفان في الدرجة، وبذلك انتهت محاكمات نرومبرغ بمهزلة بعد أن بدأت باسم العدالة.
وينطبق هذا على القصة التي ذكرت فمن كان المسئول هل المعتصم؟ هل القضاة؟ هل حرس الحماية والشرطة؟ هل الرعاع أم شيوخهم وأئمة الضلال؟ والجواب لكل امريء منهم ما اكتسب من الأثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. وهذا الكلام ينطبق على من قتل الحريري؟ ومن فجر أبراج نيويورك؟ وفي كتاب العبودية المختارة يحكي أن من يستبد في بلد ليس الحاكم بل حلقة داخلية رهط من ستة أشخاص وقد يكونوا تسعة كما ذكر القرآن، وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
وكل من جماعة الحلقة الداخلية له أتباع والأتباع لهم أتباع وبذا تتشكل شبكة الجهنمية نهايتها في قبضة الطاغية. مع هذا فالقرآن يقول أن الشيطان ليس له سلطان إلا على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، ووصفة الخلاص ليست بقتل الطاغية بل بعدم طاعته فقط. كلا لاتطعه واسجد واقترب.



