الشأن الإسبانيتقاريرسياسة
أخر الأخبار

من جزيرة ليلى إلى أزمة سبتة.. أثنار يستعيد خطاب المواجهة مع المغرب

المغرب الذي واجهته حكومة أثنار عام 2002 ليس هو نفسه الشريك الذي تتعامل معه إسبانيا اليوم

بعد أكثر من عقدين على أزمة جزيرة ليلى، عاد رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار إلى سبتة (المحتلة) مستحضراً لغة سياسية تقوم على الحزم في مواجهة المغرب، بالتزامن مع الجدل الذي أثارته أزمة الهجرة الأخيرة في المدينة. غير أن استدعاء أحداث صيف 2002 لمقاربة تطورات 2026 يطرح تساؤلات بشأن مدى ملاءمة مقارنة سياقين تفصل بينهما تحولات عميقة.

وخلال زيارته إلى سبتة، دعا أثنار إلى اعتماد موقف صارم إزاء أي تطورات يعتبرها مساساً بالسيادة الإسبانية، محذراً من أن ما وصفه بـ«الضعف» قد يشجع على تكرار الأزمات. كما شدد على ضرورة ضمان استقرار الحدود ومنع تكرار أحداث نهاية يوليوز.

بدوره، استحضر رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، طريقة إدارة أثنار لأزمة جزيرة ليلى، مقدماً إياها نموذجاً للدفاع عن المصالح الإسبانية، في موقف يعكس الخلاف السياسي القائم حول كيفية تعامل حكومة بيدرو سانشيز مع المغرب وأزمة الهجرة.

أزمة مختلفة تماماً

غير أن المقارنة بين جزيرة ليلى وأزمة سبتة الحالية تصطدم باختلاف جوهري في طبيعة الحدثين. ففي عام 2002، اندلعت أزمة عسكرية محدودة حول جزيرة صغيرة غير مأهولة، وانتهت بعد تدخل دبلوماسي أميركي أعاد الوضع إلى ما كان عليه.

أما أزمة سبتة الأخيرة، فتتشابك فيها الهجرة غير النظامية، وحماية الحدود، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والتجاذبات السياسية الداخلية، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، ما يجعل التعامل معها وفق منطق أزمة 2002 أمراً بالغ التعقيد.

كما أن المشهد الإقليمي والدولي تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية، وكذلك طبيعة العلاقة بين مدريد والرباط.

شراكة تتجاوز منطق المواجهة

المغرب الذي واجهته حكومة أثنار عام 2002 ليس هو نفسه الشريك الذي تتعامل معه إسبانيا اليوم. فقد توسعت المبادلات الاقتصادية والاستثمارات بين البلدين، وأصبحت إسبانيا من أبرز الشركاء التجاريين للمملكة، فيما تطور التعاون الأمني ليشمل مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب والجريمة المنظمة.

وبرز هذا الترابط بشكل واضح خلال أزمة سبتة نفسها، إذ أشادت السلطات الإسبانية بمستوى التعاون مع المغرب، كما أكدت مدريد لاحقاً عدم توفرها على أدلة تثبت أن السلطات المغربية خططت للتدفقات البشرية التي شهدتها الحدود.

وساهمت عودة أعداد كبيرة من الوافدين إلى المغرب خلال الأيام التي أعقبت الأزمة في تخفيف الضغط عن المدينة، في وقت تواصل فيه الجدل السياسي داخل إسبانيا بشأن طريقة وسرعة تعامل حكومة سانشيز مع التطورات.

حتى أزمة 2002 لم تُحسم بالقوة وحدها

ويغيب عن بعض الروايات التي تستحضر تجربة أثنار أن تسوية أزمة جزيرة ليلى لم تكن نتيجة التحرك الإسباني وحده، إذ لعبت الوساطة الأميركية دوراً مهماً في التوصل إلى صيغة أنهت المواجهة وأعادت الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة.

ومن هذه الزاوية، فإن استحضار تجربة 2002 باعتبارها وصفة جاهزة لأزمة سبتة الحالية يتجاهل طبيعة التسوية التي أنهت الأزمة آنذاك، فضلاً عن التحولات التي طرأت على العلاقات المغربية الإسبانية.

سبتة بين الحسابات الداخلية والعلاقة مع الرباط

وتأتي عودة أثنار إلى واجهة النقاش من سبتة في ظل مواجهة سياسية محتدمة داخل إسبانيا بين الحزب الشعبي والحكومة الاشتراكية برئاسة بيدرو سانشيز حول تدبير ملف الهجرة.

ويبدو أن استحضار جزيرة ليلى يحمل، إلى جانب البعد التاريخي، حمولة سياسية مرتبطة بهذا الصراع الداخلي، خصوصاً أن تجربة أثنار أصبحت بالنسبة إلى خصوم حكومة سانشيز نموذجاً للمقارنة في طريقة التعامل مع الأزمات المرتبطة بالمغرب.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت في المقابل أن استقرار سبتة لا يمكن فصله عن التعاون مع الجانب المغربي، كما أن أمن مضيق جبل طارق وحركة الأشخاص والبضائع والنقل البحري ترتبط جميعها بدرجة من التنسيق بين الرباط ومدريد.

وبعد 24 عاماً على أزمة جزيرة ليلى، تبدو العلاقة بين المغرب وإسبانيا أكثر تشابكاً مما كانت عليه في 2002. لذلك فإن استعادة خطاب المواجهة قد تكون فعالة في السجال السياسي الداخلي الإسباني، لكنها لا تعكس بالضرورة طبيعة المصالح المشتركة التي تحكم علاقة البلدين في عام 2026.

فالرهان بالنسبة إلى مدريد اليوم لا يتعلق فقط بإظهار الحزم على الحدود، وإنما بإدارة علاقة استراتيجية مع جار جنوبي أصبح التعاون معه جزءاً أساسياً من حسابات الأمن والهجرة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي.

https://anbaaexpress.ma/rgbod

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى