تشهد العلاقات بين الهند وإسرائيل تطورًا متسارعًا يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، ويطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التقارب: هل هو امتداد لثوابت استراتيجية راسخة، أم تعبير عن مصالح متغيرة تفرضها توازنات القوة في عالم متعدد الأقطاب؟
الهند، الدولة المؤسسة لحركة عدم الانحياز، لطالما قدمت نفسها كقوة تسعى إلى الاستقلال الاستراتيجي وتوازن العلاقات الدولية. غير أن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة دفعت نيودلهي إلى إعادة تعريف هذا المفهوم، بحيث لم يعد يعني الحياد الصارم، بل تنويع الشراكات والانفتاح على قوى متعددة دون الارتهان لمحور واحد.
في هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب لتؤكد عمق التحول في العلاقات الثنائية، حيث شهدت توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات التجارة الحرة، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النووية السلمية. وهو ما يعكس انتقال العلاقة من نطاق التعاون الدفاعي التقليدي إلى شراكة أوسع ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى.
قوة اقتصادية صاعدة ومصالح متشابكة
تُعد الهند اليوم من القوى الاقتصادية الكبرى عالميًا، إذ تحتل المرتبة الخامسة بين أكبر اقتصادات العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، مع توقعات بتقدمها إلى المرتبة الرابعة متجاوزة اليابان.
وتطمح نيودلهي إلى أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد عالمي خلال السنوات المقبلة، مستندة إلى نمو اقتصادي متسارع، وتوسع في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والزراعة.
هذا الصعود الاقتصادي يفرض على الهند إعادة صياغة أولوياتها الخارجية، بحيث تصبح التكنولوجيا المتقدمة، وأمن الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية عناصر مركزية في سياستها الدولية. ومن هنا يكتسب التعاون مع إسرائيل بعدًا عمليًا يتجاوز الرمزية السياسية.
بين روسيا وأمريكا والصين
غير أن العلاقة الهندية–الإسرائيلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن شبكة التوازنات الدولية الأوسع. فالهند تحتفظ بعلاقات استراتيجية تاريخية مع روسيا، وتعد عضوًا مؤسسًا في مجموعة البريكس إلى جانب الصين، رغم الخلافات الحدودية المعقدة بينهما. كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وإن شابتها أحيانًا توترات مرتبطة بالمصالح التجارية والاستراتيجية.
هذا التداخل في العلاقات يعكس سياسة هندية تقوم على “تعدد الشراكات” بدلاً من الانخراط في تحالفات مغلقة. ويمكن القول إن السياسة الخارجية الهندية لم تنتقل من عدم الانحياز إلى براغماتية المصالح بشكل كامل، بل شهدت عملية إعادة تفسير لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي بما يتلاءم مع التحولات الدولية بعد الحرب الباردة.
باكستان ومعادلة الأمن الإقليمي
لا يمكن إغفال البعد الأمني في هذا التقارب، خاصة في ظل التوتر التاريخي بين الهند وباكستان، الدولة النووية الأخرى في جنوب آسيا. فالتقاطع في المصالح الأمنية بين نيودلهي وتل أبيب يعزز التعاون في مجالات الدفاع والاستخبارات، في وقت تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى في الإقليم، من الصين إلى الولايات المتحدة.
غير أن هذه التوازنات تبقى محكومة بحسابات دقيقة، إذ إن أي تحالفات صلبة قد تخلق توترات إضافية في بيئة دولية تتسم بتنافس غير واضح المعالم بين قوى كبرى، تتقاطع مصالحها أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى.
ثوابت أم تحولات؟
يبقى السؤال الجوهري: هل تمثل العلاقات الهندية–الإسرائيلية تحولًا عن ثوابت تاريخية، أم امتدادًا لها بصيغة جديدة؟
الواقع يشير إلى أن الهند لم تتخلَّ عن مبدأ الاستقلال الاستراتيجي، لكنها أعادت صياغته بما يتوافق مع مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة وطموحاتها الجيوسياسية. فهي تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا والولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل في آن واحد، دون أن تنخرط في محور ثابت.
وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية مرنة، تبدو الهند حريصة على أن تلعب دور “قوة التوازن” لا “قوة الاصطفاف”، مستفيدة من موقعها الجغرافي والاقتصادي والنووي، ومن شبكة علاقاتها الواسعة.
العلاقات مع إسرائيل، في هذا الإطار، ليست خروجًا عن الثوابت بقدر ما هي تعبير عن قراءة هندية جديدة لمصالحها في عالم سريع التحول، حيث لم يعد الحياد كافيًا، ولا التحالف المطلق خيارًا مضمون النتائج.
