آراءإقتصاد
أخر الأخبار

العالم يدفع الثمن الآن.. حرب الشرق الأوسط تدخل مرحلة كسر الاقتصاد العالمي “تحليل”

العالم اليوم لا يواجه مجرد حرب، بل لحظة تحول اقتصادي تاريخي. ومع استمرار إغلاق هرمز واحتمال سقوط باب المندب، فإن الاقتصاد العالمي يقترب من نقطة تحوّل قد تعيد رسم ملامحه لعقود قادمة

داني الأمين – لبنان

منذ اندلاع الحرب الأميركية-الاسرائيلية على ايران ولبنان في 28 فبراير، دخل الشرق الأوسط مرحلة تتجاوز في تداعياتها كل ما شهده منذ عقود، ليس فقط عسكريًا بل اقتصاديًا على مستوى العالم.

ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان صدمتين تاريخيتين: أزمة النفط عام 1973 التي شلّت الاقتصادات الغربية، والأزمة المالية عام 2008 التي ضربت النظام المالي العالمي. غير أن الفارق الجوهري أن الصدمة الحالية تجمع بين الاثنين معًا: صدمة طاقة حادة بالتوازي مع اضطراب مالي وتجاري عالمي.

في عام 1973، أدى حظر النفط إلى ارتفاع الأسعار أربعة أضعاف، ما تسبب بركود تضخمي ضرب الاقتصادات الصناعية. أما في 2008، فقد انهارت الأسواق المالية نتيجة أزمة الائتمان. اليوم، نحن أمام سيناريو مركب قد يكون أكثر كلفة من الأزمتين مجتمعتين.

الولايات المتحدة تنفق بوتيرة غير مسبوقة، مع كلفة تشغيل عسكري يومي تتراوح بين 200 و500 مليون دولار، ما يضع الفاتورة العسكرية المباشرة في نطاق يتراوح بين 10 و30 مليار دولار خلال أشهر قليلة فقط.

أما الأثر الاقتصادي الأوسع من تضخم وارتفاع كلفة الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد فيُقدّر بما بين 50 و150 مليار دولار، مع قابلية للارتفاع إذا طال أمد الحرب

إسرائيل تواجه استنزافًا اقتصاديًا مزدوجًا، حيث تتراوح كلفة الحرب اليومية بين 250 و400 مليون دولار، ما يضع الخسائر العسكرية المباشرة ضمن نطاق 15 إلى 40 مليار دولار خلال فترة قصيرة.

لكن الخسارة الأكبر تأتي من انكماش الاقتصاد، مع تقديرات إجمالية تتراوح بين 60 و120 مليار دولار نتيجة توقف الاستثمار والسياحة وتعطّل سوق العمل.

في إيران، لم تعد الخسائر مرتبطة باحتمالات، بل بواقع حرب مفتوحة منذ أسابيع، مع تقديرات بخسائر مباشرة تتراوح بين 20 و50 مليار دولار حتى الآن، إلى جانب استنزاف اقتصادي مستمر بفعل العقوبات والتصعيد.

لبنان، الذي يعاني أصلًا من انهيار مالي، يواجه خسائر تتراوح بين 5 و15 مليار دولار نتيجة الدمار والنزوح وتعطّل الاقتصاد، وهي أرقام مرشحة للارتفاع بسرعة في حال استمرار العمليات.

أما في الخليج، فقد تحولت الخسائر من سيناريوهات إلى واقع يومي. إغلاق مضيق هرمز عطّل جزءًا كبيرًا من صادرات النفط، ما أدى إلى خسائر يومية تتراوح بين 500 مليون و1.5 مليار دولار.

خلال أسابيع فقط، يمكن تقدير الخسائر المباشرة بين 10 و20 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى ما بين 65 و200 مليار دولار إذا استمر الإغلاق والتصعيد.

الضربات المباشرة عمّقت هذه الخسائر. في قطر، قُدرت الأضرار في منشأة غاز بنحو 25 مليار دولار. في الإمارات، تُقدّر الخسائر بعدة مليارات نتيجة تراجع النشاط اللوجستي وارتفاع كلفة التأمين اضافة لكون مدينة دبي شريان اساسي للتجارة والسياحة ويُعد مطارها من اكبر المطارات التشغيلية في العالم. في الكويت، الخسائر ناتجة عن تعطّل الصادرات وتقلب الأسواق، فيما تواجه البحرين ضغوطًا مالية ومصرفية متزايدة.

الخطر الأكبر يتمثل في باب المندب. إغلاقه سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الشحن بين آسيا وأوروبا بنسبة تتراوح بين 30 و50%، وتأخير زمني يصل إلى أسبوعين. الخسائر اليومية في التجارة العالمية قد تصل إلى مليار دولار، ما يضيف طبقة جديدة من الضغط على الاقتصاد العالمي.

أوروبا ستكون من أكثر المتضررين. فهي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة وعلى طرق التجارة عبر البحر الأحمر. ارتفاع أسعار النفط إلى ما بين 150 و200 دولار سيؤدي إلى موجة تضخم جديدة، ويضغط على الصناعات الأوروبية، خصوصًا في ألمانيا وإيطاليا.

كما أن ارتفاع كلفة الشحن سيؤثر على سلاسل التوريد، ما قد يدفع الاقتصاد الأوروبي نحو ركود جديد، مع خسائر تُقدّر بعشرات إلى مئات المليارات.

لم تعد الأسواق المالية بمنأى عن هذا التصعيد، بل بدأت تعكسه بشكل مباشر وسريع. مؤشرات البورصات العالمية تشهد تقلبات حادة، مع اتجاه واضح نحو تسييل الأصول عالية المخاطر واللجوء إلى الملاذات الآمنة كالذهب والسندات الأميركية.

في المقابل، تتعرض عملات الأسواق الناشئة لضغوط متزايدة، مع خروج رؤوس الأموال وارتفاع كلفة الاقتراض. حتى الاقتصادات الكبرى لم تعد محصّنة بالكامل، إذ يزداد القلق من تضخم مدفوع بالطاقة يقابله تباطؤ في النمو، وهو مزيج يعيد إلى الواجهة سيناريو “الركود التضخمي” الذي تخشاه البنوك المركزية. ومع ارتفاع مستويات الدين عالميًا، فإن أي صدمة إضافية في أسعار الفائدة أو التمويل قد تدفع بعض الدول إلى حافة أزمات سيادية، ما يوسّع رقعة التأثير من نزاع إقليمي إلى خلل في بنية النظام المالي الدولي.

ولا يقتصر الأثر على المؤشرات والأسواق، بل بدأ يتسلل تدريجيًا إلى الحياة اليومية لملايين البشر. ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلفة النقل والكهرباء، ما يرفع أسعار السلع الأساسية من الغذاء إلى المنتجات الصناعية.

ومع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن، تتآكل القدرة الشرائية حتى في الدول المستقرة نسبيًا، بينما تواجه الدول الأكثر هشاشة خطر أزمات معيشية حادة.

هذا التحول يجعل من الحرب عاملًا ضاغطًا على الاستقرار الاجتماعي، وليس فقط الاقتصادي، حيث تتحول الأرقام الكبرى إلى عبء يومي يشعر به المستهلك في فاتورته الشهرية. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة: عندما تنتقل الأزمة من شاشات التداول إلى موائد الناس، تصبح أكثر تعقيدًا وأصعب احتواءً.

إذا اجتمع إغلاق هرمز مع تعطّل باب المندب، فإن العالم سيواجه صدمة مزدوجة قد تفوق في آثارها صدمة 1973 وأزمة 2008 مجتمعتين. التقديرات تشير إلى خسائر عالمية قد تتراوح بين 1 و3 تريليونات دولار خلال فترة قصيرة.

ما بعد الحرب لن يكون أقل كلفة. إعادة الإعمار، استعادة الثقة، وإعادة تشغيل الاقتصاد العالمي ستتطلب سنوات طويلة. وكما استغرق العالم وقتًا للتعافي من 2008، فإن تداعيات هذه الحرب قد تكون أعمق وأطول.

العالم اليوم لا يواجه مجرد حرب، بل لحظة تحول اقتصادي تاريخي. ومع استمرار إغلاق هرمز واحتمال سقوط باب المندب، فإن الاقتصاد العالمي يقترب من نقطة تحوّل قد تعيد رسم ملامحه لعقود قادمة.

السؤال لم يعد كم خسر العالم، بل كم تبقى قبل أن يتحول هذا النزيف إلى انهيار شامل.

في النهاية، لا تبدو هذه الحرب كحدث عابر يمكن احتواؤه أو إغلاق صفحته باتفاق سياسي سريع، بل كمسار انحداري بدأ بالفعل، حيث تتآكل الاقتصادات بصمت فيما تنشغل العناوين بالدخان والنار.

الأرقام التي تُتداول اليوم—عشرات المليارات هنا ومئات هناك—قد تبدو ضخمة، لكنها في الواقع مجرد مقدمة لفاتورة لم تُكتب بعد. ما يتشكل الآن هو لحظة كسر حقيقية في الاقتصاد العالمي، لحظة قد يكتشف فيها العالم متأخرًا أن ما خسره لم يكن مجرد نمو أو استقرار، بل نموذجًا كاملًا عاش عليه لعقود. وعندما تهدأ المدافع، لن يكون السؤال من ربح الحرب، بل من بقي واقفًا اقتصاديًا بعد أن انتهت.

https://anbaaexpress.ma/e4m3g

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى