كشفت تقارير اقتصادية أمريكية حديثة أن الدين العام للولايات المتحدة تجاوز، لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، في تطور اعتبرته صحيفة “نيويورك تايمز” بمثابة جرس إنذار جديد يسلط الضوء على التحديات المالية المتفاقمة التي تواجه أكبر اقتصاد في العالم.
وبحسب المعطيات المنشورة، تخطى الدين الأمريكي عتبة 100% من الناتج المحلي، حيث بلغ نحو 31.27 تريليون دولار بنهاية مارس الماضي، مقابل ناتج محلي إجمالي يُقدر بـ31.22 تريليون دولار خلال الفترة نفسها، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 1946.
ضغوط مالية متزايدة وتكاليف مرتفعة
يأتي هذا التطور في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة، وتنامي الإنفاق الحكومي، إلى جانب التكاليف المرتبطة بالتوترات الدولية والحروب، وهو ما ساهم في توسيع العجز المالي ورفع كلفة الاقتراض.
ورغم هذه المؤشرات، يواصل الكونغرس مناقشة حزم إنفاق جديدة، في وقت تدافع فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب عن ميزانية دفاعية قياسية قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027.
أزمة هيكلية تتجاوز الأرقام
وترى تحليلات اقتصادية أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الدين، بل بغياب رؤية سياسية واضحة لكبح العجز المتزايد، خاصة مع استمرار التخفيضات الضريبية غير الممولة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، إضافة إلى تضخم مدفوعات الفائدة على السندات الحكومية.
وقد تفاقمت هذه الضغوط مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، حيث بلغت عوائد السندات لأجل 30 عاماً نحو 5.12%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، مقارنة بنحو 1% فقط في عام 2020، ما يعكس ارتفاع كلفة التمويل بشكل كبير.
وفي سابقة لافتة، تجاوزت مدفوعات الفائدة على الدين حجم الإنفاق الدفاعي، ما يعكس حجم العبء المالي المتزايد على الميزانية الفيدرالية.
مخاوف من تفاقم الأزمة مستقبلاً
في السياق ذاته، حذرت وكالة “فيتش” من احتمال ارتفاع نسبة الدين إلى أكثر من 120% من الناتج المحلي بحلول عام 2027، في ظل استمرار مستويات الإنفاق المرتفعة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ورغم تسجيل الاقتصاد الأمريكي نمواً بنحو 2% خلال الربع الأول من العام، مدفوعاً بزيادة الإنفاق الحكومي، يحذر خبراء من أن ارتفاع أسعار الطاقة، خاصة في ظل التوترات مع إيران، قد يؤثر سلباً على القدرة الشرائية للأسر ويضغط على وتيرة النمو في الفترات المقبلة.
تداعيات محتملة على الأسواق
وتتزايد المخاوف داخل الأسواق المالية من أن يؤدي استمرار ارتفاع الدين إلى إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، ما قد ينعكس سلباً على الاستثمارات الخاصة وسوق العمل، خصوصاً مع تباطؤ وتيرة التوظيف مقارنة بالسنوات الماضية.
في المحصلة، يعكس هذا التطور تحدياً هيكلياً عميقاً أمام الاقتصاد الأمريكي، حيث تتداخل الضغوط المالية مع الاعتبارات السياسية، ما يجعل مسار معالجة الأزمة أكثر تعقيداً في المدى المنظور.




