آراءسياسة
أخر الأخبار

التكتونية السياسية.. خرائط النفوذ تتشكل

في الماضي كانت الإمبريالية تقوم على احتلال بلد وإدارة سكانه ونهب موارده مباشرة. أما اليوم فذلك صار مكلفا سياسيا وأخلاقيا..

ألمانيا – منير لكماني

إمبريالية التدفقات

لم تعد السياسة الدولية اليوم تفهم فقط عبر مشاهد الجيوش والإحتلال. العالم دخل مرحلة جديدة تدار فيها القوة بطرق أقل ضجيجا لكنها أعمق أثرا: عقوبات مالية تغلق أبواب الدفع والتحويلات، قوانين ومحاكم تمتد ولايتها خارج الحدود، سلاسل إمداد يعاد تنظيمها لأسباب أمن قومي، وسباق محموم على النفط والمعادن والممرات البحرية.

لهذا يمكن القول إننا نعيش زمنا يشبه إمبريالية جديدة، لكنها لا تدار أساسا عبر السيطرة على الأرض، بل عبر السيطرة على التدفقات: المال، الطاقة، المعادن النادرة، البيانات، والمضائق والممرات الاستراتيجية.

اقتصاد عالمي يتحرك لكنه ينقسم

اقتصاديا، العالم لا يعيش ركودا شاملا، لكنه أيضا لا ينهض بقوة. النمو موجود لكنه متوسط، والديون مرتفعة، والاستثمار أبطأ، والضغوط على الأسعار لا تزال حاضرة في دول كثيرة. غير أن التحول الأهم ليس في الأرقام، بل في تغير شكل العولمة نفسها.

عادت الحمائية والرسوم والحواجز، وصارت دول كبرى تتعامل مع التجارة والتكنولوجيا والطاقة باعتبارها قضايا أمن قومي لا مجرد تبادل اقتصادي. بعبارة بسيطة: العالم لم يعد سوقا واحدا، بل أصبح سوقا مسيسا تتصارع داخله القوى الكبرى على النفوذ.

من إستعمار الأرض إلى إستعمار المال والموارد

في الماضي كانت الإمبريالية تقوم على احتلال بلد وإدارة سكانه ونهب موارده مباشرة. أما اليوم فذلك صار مكلفا سياسيا وأخلاقيا. لذلك ظهرت أدوات جديدة تحقق الهدف نفسه دون احتلال رسمي.

من أهمها العقوبات المالية التي تعزل دولة عن الدولار أو التمويل أو التأمين أو التكنولوجيا، والعقوبات الثانوية التي تخيف الشركات الأجنبية من التعامل مع دولة مستهدفة حتى لو لم تكن تلك الشركات تابعة للدولة التي تفرض العقوبات. ومع الوقت تحول القانون نفسه إلى أداة نفوذ، حين تصبح قوانين دولة قوية قادرة على ملاحقة معاملات تقع خارج حدودها.

ما الذي يريده ترامب؟ أمريكا أولا بصيغة أشد

ضمن هذا المناخ تبرز سياسة ترامب بوصفها صيغة أكثر صراحة لنهج “أمريكا أولا”. الفكرة الأساسية هي أن النفوذ لا يبنى بالوعود وحدها، بل بإحكام القبضة على التدفقات التي يحتاجها الآخرون: نفط، ممرات، معادن، وتمويل.

فنزويلا: استعمار السيولة وخنق شريان النفط

فنزويلا دولة نفطية، ومعنى ذلك أن حياتها الاقتصادية تمر عبر القدرة على بيع النفط وتحويله إلى عملة صعبة. عندما تشتد الضغوط والعقوبات لا يكون الهدف فقط إضعاف الحكومة سياسيا، بل خنق القدرة على الحركة اقتصاديا: صعوبة البيع، صعوبة التحويل، صعوبة التمويل، وصعوبة صيانة القطاع النفطي. هذا هو جوهر “استعمار السيولة”: بدل احتلال الأرض، تحتل قدرة الدولة على التنفس ماليا، فتغدو قراراتها محكومة بهامش ضيق تفرضه العقوبات وشروط رفعها.

غرينلاند: استعمار الجغرافيا وامتلاك المستقبل

غرينلاند تمثل وجها آخر من الإمبريالية الجديدة، وهو “استعمار الجغرافيا”. فالقطب الشمالي لم يعد هامشا بعيدا، لأن ذوبان الجليد يفتح طرقا بحرية جديدة، ولأن الجزيرة ترتبط بمواقع استراتيجية وموارد معدنية مهمة لاقتصاد التكنولوجيا والطاقة.

هنا لا نتحدث عن إدارة سكان بقدر ما نتحدث عن السيطرة على موقع وممرات وموارد المستقبل، أي امتلاك عقدة تمنح نفوذا طويل الأمد.

القانون والعقوبات حتى داخل دائرة الحلفاء

اللافت أن أدوات الضغط لا تتوقف عند الخصوم فقط. حتى داخل دائرة الحلفاء يمكن أن تظهر توترات بسبب الحديث عن عقوبات أو ضغوط قانونية، ما يكشف أن العقوبة صارت لغة قوة ورسالة ردع تتجاوز الحدود التقليدية.

عالم اصطفافات متغيرة

خلاصة المشهد أن العالم يتجه إلى عالم إصطفافات متغيرة بدل نظام واحد. تتوسع محاولات بناء بدائل في الدفع والتمويل، وتتشكل شراكات جديدة في الطاقة، وتتم إعادة رسم سلاسل الإمداد وفق الحسابات السياسية والأمنية.

نحن أمام إمبريالية بلا مستعمرات رسمية، لكنها تنتج تبعية أشد حداثة عبر التحكم في التدفقات. وفي هذا العالم، من ينجو هو من يوسع خياراته، ويقلل إعتماده على بوابة واحدة، ويبني إقتصادا أقل هشاشة أمام سلاح المال والممرات.

https://anbaaexpress.ma/c180k

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى