مع استمرار الحصار الأميركي على إيران، بهدف تطويعها وفرض الرؤية الأميركية على سلوكها الإقليمي والعسكري، يبرز داخل دوائر القرار الغربية تياران متوازيان.
الأول يرى أن الضغط الاقتصادي والسياسي كفيل بنقل الأزمة إلى الداخل الإيراني، بما يؤدي تدريجياً إلى إنهاك النظام واستنزافه اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، مع بقاء عامل الوقت العنصر الحاسم في إنجاح هذا المسار.
أما التيار الثاني، الأقرب إلى الرؤية الإسرائيلية، فينطلق من قناعة بأن الحصار وحده لم يعد كافياً، وأن منع إيران من استعادة قدراتها يتطلب توجيه ضربات قاصمة للبنية الداخلية للنظام ومراكزه الحيوية.
فوفق هذا التصور، فإن أي توقف في مسار التصعيد سيعيد المواجهة إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع استمرار الحديث عن القدرات الباليستية الإيرانية، واليورانيوم المخصب داخل الأراضي الإيرانية، وما يمثله ذلك من تهديد إستراتيجي طويل المدى.
ومن هنا تتصاعد سيناريوهات توجيه ضربات جديدة لإيران تتجاوز النمط التقليدي للحروب، عبر موجات اغتيالات واسعة، وعمليات نوعية داخل العمق الإيراني، وصولاً إلى فرضيات تتعلق بالسيطرة على مواقع حساسة أو تحريك مجموعات مسلحة على الأرض، ضمن مقاربة تقترب من “عقيدة ريغن” القائمة على دعم الفاعلين المحليين لإسقاط الخصوم من الداخل.
ومع تعثر التوصل إلى اتفاق جديد بالشروط الأميركية، تبدو احتمالات كسر الجمود عبر التصعيد العسكري أكثر حضوراً، خاصة مع تراجع الرهانات على وجود تيار إيراني “براغماتي” قادر على تقديم التنازلات المطلوبة.
وهنا يظهر الخطأ المنهجي الأبرز في جزء كبير من التحليلات الغربية، وخصوصاً الأميركية، والمتمثل في الاستمرار بقراءة إيران وفق نموذج الدولة القومية التقليدية ذات البنية الهرمية المرتبطة بشخص واحد. فالتحول الذي شهدته الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الأخيرة جعل هذا النموذج التفسيري متجاوزاً.
إيران لم تعد نظاماً عمودياً هشاً يؤدي استهداف رأسه إلى انهياره، بل تحولت تدريجياً إلى منظومة أمنية موزعة ومتعددة المستويات، قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في غياب المركز التقليدي للسلطة.
لذلك، فإن إقصاء علي خامنئي لم يؤدِ إلى إضعاف النظام كما كان متوقعاً، بل ساهم في جعله أكثر مرونة وغموضاً وأصعب استهدافاً.
فالنظام استوعب مبكراً مفهوم “قطع الرأس الإستراتيجي”، وأعاد تشكيل بنيته على أساس توزيع السلطة وتفكيك مركزيتها، بما يضمن استمرارية القرار تحت الضغط الخارجي.
وفي هذا السياق، فإن الغموض المحيط بمجتبى خامنئي لا يعكس بالضرورة ضعفاً أو ارتباكاً، بل قد يمثل جزءاً من إعادة تعريف وظيفة القيادة نفسها.
فإيران تتحرك تدريجياً نحو فصل السلطة عن الظهور العلني، والانتقال من نموذج “المرشد الأيقوني” إلى قيادة غير مرئية تدير شبكة سياسية –عسكرية– أمنية متداخلة. أما التحول الأعمق، فيتمثل في الانتقال التدريجي من المبدأ الديني– الفقهي إلى المبدأ الأمني– الإداري.
فالجمهورية الإسلامية، وإن حافظت شكلياً على بنيتها الثيوقراطية، تتطور عملياً نحو تكنوقراطية أمنية ذات شرعية دينية، تهيمن عليها مؤسسات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية أكثر من المؤسسة الدينية التقليدية.
كما أن شخصيات مثل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وأحمد وحيدي لا تمثل مراكز قوى متصارعة بقدر ما تشكل أذرعاً وظيفية لمنظومة واحدة تتقاسم الأدوار بين التفاوض والردع والإدارة الداخلية ضمن إستراتيجية موحدة.
لكن العنصر الأكثر خطورة يتمثل في ترسخ قناعة داخل المؤسسة الإيرانية بأن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد قابلة للتجنب على المدى البعيد.
ومع استمرار إسرائيل في تحييد الجبهات المحيطة، من غزة إلى لبنان والعراق، عبر الاغتيالات والاستنزاف الأمني ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات السياسية، فإن احتمالات الانتقال إلى جولة مواجهة أكبر بهدف فرض تغيير إستراتيجي داخل إيران تبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، لم تعد العمليات العسكرية تحمل الطابع التقليدي السابق، بل تتحرك ضمن عقيدة تصعيدية جديدة تتدرج من “الغضب الملحمي” إلى مفهوم “المطرقة الثقيلة”، وصولاً إلى مشاريع أكثر اتساعاً ترتبط بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة، وفرض معادلات أمنية جديدة تتجاوز حدود الاحتواء التقليدي لإيران نحو محاولة إعادة هندسة بنية النظام نفسه.




