تطرح الأحداث المتسارعة والمشاهد اليومية المعاصرة سؤالاً عريضاً وملحاً حول حدود الانسجام الأخلاقي لدى القائمين على الخطاب الوعظي، وحول تلك الفجوة الصريحة التي تظهر بجلاء بين الادعاء الأخلاقي المعلن والواقع الملموس، فلماذا تتبدل المعايير المبدئية وتبدو الرحمة والتسامح حاضرتين بقوة حين يتعلق الأمر بأبناء التيار نفسه، بينما تُشهر الصرامة وأسلحة التخوين والإقصاء في وجه المخالفين؟ وكيف يستحيل الخطاب الأخلاقي في مثل هذه الحالات إلى مجرد وسيلة لحماية الانتماء الفكري والدفاع عن الجماعة بدلاً من أن يكون ميزاناً مجرداً للعدل والإنصاف؟.
مناسبة هذا الخطاب هو النقاش الواسع والحاد الذي عرفته منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة؛ إذ يتعلق الأمر بخبر يخص شاباً في أواخر العشرينيات ينشط في المجال الدعوي والتوجيهي عبر الشبكة بالتركيز المكثف على الشكليات والمظاهر المتشددة، حيث طالت هذا الشاب شبهات وتهم ترتبط بعلاقته بفتاة قاصر، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة لدى فئات واسعة من المتابعين الذين استحضروا المعنى الخالد للبيت الشعري الشهير [لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم]، لما أحدثته هذه الحادثة من ارتباك واضح وتناقض بين ما يُطرح على الجمهور من مواعظ وإرشادات وبين السلوك الواقعي المعروض في موضع الاتهام والريبة.
ولكي نفهم وتتضح الصورة، نحن لا يهمنا هذا الشاب لأنه في الأخير لا يسعنا إلا أن نقول: من تاب تاب الله عليه، ومن ستر مؤمناً ستره الله يوم القيامة، وهناك الكثير من الصالحين وقعوا في المحظور تحت إغراءات متعددة، ولكن المشكل يكمن في أننا حينما نختلف مع السلفيين يسرعون إلى قذفنا بالسب والشتم وتوزيع الأحكام بالطرد من رحمة الله، ويسارعون إلى انتزاع الآيات والأحاديث من سياقها الصحيح ليثبتوا للناس أنهم وحدهم على صواب وغيرهم على ضلال.
لكن حين يقعون هم أنفسهم في الخطأ -وقد يكون خطأ كبيراً- تراهم ينقلبون فجأة إلى مدافعين ومبررين، ويستحضرون فوراً قول نبينا الكريم: “خير الخطائين التوابون” لطلب العفو والتجاوز. هذا التناقض الواضح والكيل بمكيالين بين قسوتهم البالغة على المخالفين ورحمتهم الواسعة بأخطائهم الشخصية يظهر للجميع أن المسألة ليست دفاعاً عن الحق والدين، بل هي مجرد تعصب للنفس والجماعة.
وحضرت اللحية برمزيتها الشعارية والهوياتية الحاضرة بقوة لدى التيار السلفي، باعتبارها مرتكزاً ظاهرياً يُستند إليه لإبراز الالتزام وممارسة الوصاية على المجتمع، غير أن هذه الرمزية تصطدم بواقع مرير حين تنكشف التناقضات السلوكية، ليتعالى الصوت بين أوساطهم بمظلومية ودفاع تبريري مفاده أنهم يقعون دائماً تحت الحصار، وأن الجميع يتصيد أخطاءهم ويتربص بهم لمجرد أنهم أصحاب لحى، في محاولة ملتوية للتنصل من المسؤولية الفردية وتحويل النقاش من محاسبة المخطئ إلى الشكوى من استهداف المظهر الديني، مما يفرغ هذا المظهر من قيمته التربوية ويحوله إلى درع يُستغل للتغطية على التجاوزات عند أول اختبار حقيقي.
ومما يزيد المشهد تعقيداً وجوراً هو مسارعة هذا التيار إلى إطلاق تهم الإلحاد والكفر على كل صوت منتقد، متناسياً أو متجاهلاً حقيقة أن أكثر العلمانيين ليسوا ملحدين أو لادينيين كما يُروّج لتعميق الاستقطاب، بل هم يخافون أكثر على دينهم أن يتخوصص ليصبح ملكية حصرية لجماعة توظفه لمآربها وتستغل قداسته لتبرير التجاوزات وتحصين الامتيازات الفئوية، مما يكشف عن التناقض المعياري الفج بين التعامل مع الهفوات الداخلية والتطاول على المنتقدين من خارج الدائرة.
ويرجع هذا التباين الشديد في السلوك إلى طبيعة العصبية الفكرية التي تجعل الجماعة هي المركز والمقياس، حيث لا يُنظر إلى الفعل الأخلاقي بناءً على قيمته المجردة أو قبحه الذاتي، بل يحدد التقييم موقع الفاعل من التنظيم أو التيار؛ فإذا كان الفاعل من الداخل أُحيط بهالة من الأعذار وجرى استدعاء فقه الترخيص والستر لترميم الصورة الذهنية، أما إذا كان الفاعل من خارج الدائرة الدلالية للتيار فإن الفعل يتضخم ويتحول إلى دليل قاطع على الانحراف والفسق، مما يعكس تحول القيم الأخلاقية من أصول ثابتة إلى أدوات وظيفية متغيرة تُستخدم بحسب الحاجة والسياق السجالي.
يكشف هذا التعصب الشديد في الدفاع عن أخطاء الأتباع عن محدودية الأفق المعرفي وغياب الرؤية الفكرية الناضجة لدى هذا التيار، إذ يطبع الطرح العام غلبة الحرفية الشديدة في التعامل مع النصوص والوقوف السطحي عند الشكليات المباشرة، دون امتلاك ثقافة واسعة أو وعي عميق يتيح فهم التحولات الاجتماعية والفكرية المعاصرة، فهم حَرفيون بفتح الحاء وشكليون يجيدون ترديد القوالب الجاهزة دون نفاذ إلى عمق المقاصد والغايات.
كما يرتكز معظم الخطاب المقدم في الوسائط الرقمية على قضايا محددة تدور غالباً حول مواضيع النساء وأحكام التعدد ومحاولة ممارسة الوصاية على المجتمع، مما أفرغ الخطاب الأخلاقي من مقوماته الجامعة وجعله يتسم في كثير من الأحيان بالحدة والشدة اللفظية ومظاهر العنف السلوكي عند مواجهة أي رأي مخالف.
وتتفسر هذه الحرفية والجمود بكون التيار يعتمد على اجترار المقولات التاريخية وإسقاطها على الواقع دون مراعاة لتبدل السياقات والمفاهيم، حيث يُغيب الاجتهاد والنظر المقارن لصالح الانشغال الجزئي بفروع القضايا وشكليات المظهر، وهو ما يفسر الانجذاب الكبير نحو قضايا المرأة والسلوك الفردي لأنها تمثل المساحة الأسهل لممارسة السلطة الرمزية واستعراض التفوق الأخلاقي، في حين يغيب الخطاب المعرفي المركب الذي يعالج الإشكالات الاجتماعية والفلسفية الكبرى التي تمس حياة الناس ووعيهم الحضاري.
إن هذه الازدواجية المعيارية ليست وليدة اللحظة وليست حدثاً عابراً في مسار الجماعات العقائدية، بل إن التاريخ الاجتماعي والسياسي مليء بالبنى الفئوية المتشابهة التي تتخذ من الشعارات المقدسة أغطية واقية لتمرير التجاوزات وحماية المصالح الضيقة، حيث تتراجع القيم الكلية لصالح التعصب المجموعاتي الذي يقيس الحق بمدى قرب الفاعل من دائرة النفوذ أو البعد عنها، وهو ما ينتج بانتظام ذلك الانفصام بين صرامة الشعارات المعلنة ومرونة التطبيق العملي عند وقوع المحظور داخل البيت الداخلي.
ويعكس استحضار هذه النماذج التحليلية حقيقة ممتدة أكدها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة حين قرر أن العصبية إذا تحكمت في الاجتماع البشري تحول الحق فيها إلى تابع ذليل لأهواء الجماعة ومكتسباتها الفئوية، وهي القاعدة التحليلية ذاتها التي أشار بوضوح إلى أن الفكر المتقوقع حين ينتصر للعصبية يعمد دائماً إلى إعادة إنتاج المفاهيم بصيغة تجعل القيم الأخلاقية أسلحة وظيفية في صراع المصالح بدل أن تكون منازل للتقوى والإنصاف.
يتضح من خلال هذه المقارنات والتحليلات أن الكيل بمكيالين والفرق الشاسع بين القسوة على المخالف والرحمة بالتجاوزات الداخلية يفرغان الخطاب الديني والأخلاقي من محتواه الحقيقي، ويحولان المبادئ والقيم السامية إلى مجرد أدوات مصلحية تخدم حماية التيار وتحقيق الهيمنة الفكرية، فحين يتحول الدين إلى سياج لحماية الأفراد والأتباع وتبرير خطاياهم تحت غطاء التأويل المصلحي بينما تقام الحدود والاتهامات على المخالفين لأتفه الأسباب، فإننا نكون أمام نزوع بشري بحت نحو الاستعلاء وممارسة الوصاية وتحقيق الانتصارات الوهمية للجماعة على حساب الحقيقة والعدالة المجردة.
إن الاحتكام إلى مبدأ أخلاقي صارم يقتضي تطبيق نفس المسطرة المعيارية على الجميع دون مفاضلة بين انتماء وآخر أو تمييز بين صديق ومخالف، لأن تبرير الأخطاء للموالين وتضخيمها للخصوم يقتل المصداقية ويمحو الأثر التربوي للخطاب. والالتزام الصارم بالقيم يقتضي وجود شجاعة أخلاقية تضع الحق فوق اعتبارات الأشخاص والانتماءات الحزبية أو الفكرية، والتصدي لهذه الآفة يتطلب تحرراً جذرياً من ضغط العصبية ومراجعة شجاعة للأدبيات القائمة لتكون مواجهة الذات مقدمة أساسية على نقد الآخرين.
والانتصار الحقيقي لا يكون إلا للحق والمبدأ الأخلاقي المجرد، فمتى تدرك هذه الخطابات أن استعادة مصداقيتها رهينة بتقديم التطهير الأخلاقي الداخلي على حساب الانتصار الفئوي المكشوف؟.




