تم عقد مؤتمر مصيري في اليابان حول التعريف بالإسلام، حيث اجتمعت في صالة المؤتمرات الضخمة في طوكيو شخصيات يابانية علمية، وسياسية مرموقة، واجتماعية ذات مناصب، ورجال أعمال ورؤساء شركات عملاقة، وبعض الوزراء، ورجال الدين الشنتي والكونفوشيوسي.
جلس الكل يستمعون بإنصات بالغ إلى المحاضرات التي يلقيها الوفد الإسلامي القادم من الشرق الأوسط للتعريف بدين الإسلام.
وخلال ثلاثة أيام متلاحقة من المحاضرات المكثفة المملوءة بالحيوية والحماس، تم استعراض عدالة الإسلام، ومكانة المرأة، وفكرة الحاكمية، ونظام الشورى، والتربية الروحية، والحرية الفكرية في الإسلام.
كان اليابانيون يهزون رؤوسهم في كل مرة بالاستحسان والإعجاب، وفي نهاية المؤتمر تم توزيع كتيبات صغيرة بالتعريف بالإسلام، وشروط دخوله، وكيفية النطق بالشهادتين، وأركان الإسلام الخمسة.
كان كل شيء يمشي بهدوء لولا أن قطع جو الاستحسان سؤال تقدم به أحد المفكرين اليابانيين يدعى (ياسوتا ناكا سوني) فقال: قرأت في نهاية الكتيب حكماً لم أفهمه على وجه الدقة، وبدا لي فيه شيء من الغرابة واللاعقلانية؟!.
أجاب رئيس الوفد الإسلامي: تفضل بسؤالك يا أخ (ياسوتا ناكا سوني) فالإسلام مبني على العقلانية وحرية الفكر؛ والتفكير فريضة إسلامية، فلا نرضى من أحدٍ من الأخوة اليابانيين الراغبين في الدخول في الإسلام بأقل من القناعة الكاملة.
الياباني (مستفسرا وعلى وجهه علامات التعجب): تشترطون للدخول في الاسلام أن الذي يدخله يلتصق به إلى الأبد فلا خروج منه ولا فكاك ولا طلاق، وكأنه طريق باتجاه واحد إلى الأبدية لا عودة منها، ثم هب أنني أردت أن أغير رأيي لسبب أو آخر، فالطريق عندكم باتجاه واحد كما يبدو لي.
هل فهمت هذا الشرط بشكل صحيح؟
رئيس الوفد الإسلامي (بشيء من حس الدفاع): نعم أيها الأخ (ناكا سوني) الشيء الذي فهمته صحيح لسبب بسيط، فالذي يدخل الاسلام ويعتنق هذا المبدأ العظيم، لا يمكن له أن يجد أفضل منه بحال من الأحوال، فنحن قمنا له بعملية اقتصادية موفرة للجهد إلى أبعد الحدود.
لذا لا يقبل الاسلام بالردة: أي الخروج منه وجاءت في هذا النصوص صريحة، فهذا كما ترى ليس رأيي أنا بالذات، بل هو حكم الله المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
الياباني ياسوتا (محتداً): ولكن هذا الشرط يقوم عليه حكم غاية في الصرامة، فالذي يحاول الخروج منه لسبب أو آخر مهدد بالقتل؟! هل فهمت هذا الأمر بشكل صحيح؟.
رئيس الوفد الاسلامي (وبشيء لا يخلو من الارتباك): اسمح لي يا أخ ياسوتا ناكا سوني أن أشرح لك الموضوع حتى لا تقع في الحرج والخوف. نعم يقتل المرتد الذي يخرج من الاسلام بعد اعتناقه، لأننا نعطيه كامل الفرصة لدراسة الاسلام من كل الوجوه، فيجب أن يتحراه تماماً قبل دخوله.
ألا تفعلون نفس الشيء في السوبر ماركت حينما يشتري الإنسان البضاعة فيكتب صاحب المحل: البضاعة التي تشترى لا ترد ولا تبدل. فالإسلام هكذا صفقة تمت وانتهت بعد تحري كامل ووثيق لبضاعة الاسلام.
ياباني آخر يدعى (شينتارو أيشيهارا) من مجلس الدايت (الدايت الوطني (National Diet): هو المؤسسة التشريعية والبرلمان الرسمي لليابان، ويعتبر أعلى سلطة في الدولة) يتساءل (ويلتفت لمن حوله): ولكن هذه بضاعة وليست ديناً أعيش به ما حييت فبإمكاني أن أتلف هذه البضاعة، لا استخدمها، أعطيها لآخر، أما هذا الدين فإنني أتلبس به فلا يمكن أن أعلن خروجي بحالٍ من الأحوال إلا بخروجي روحي من بدني ومفارقة الدنيا عجيب أمركم؟ !!.
رئيس الوفد (بشيء من التبرير): أيها الأخ الفاضل أيشيهارا نحن بهذا الإجراء نريد قطع الطريق أمام من يريد التلاعب بالدين، فهناك أناس يريدون أن يتظاهروا بالإسلام كما حصل في صدر الاسلام، حينما استخدم اليهود هذا التكتيك لصرف الناس عن الاسلام، وذكر القرآن ذلك (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) فعندما يُظهر رجل الحماس للإسلام ويعتنقه، وبعد فترة قصيرة يبدأ في ترويج الإشاعات: إنني بعدما دخلت في هذه الجماعة واعتنقت دينها تبين لي كذا وكذا من الأخطاء والقباحات، فإنه بترويج مثل هذه الاشاعات يقوم بعملٍ تخريبي مضاعف ضد الاسلام، فهو من جهة يصرف الآخرين عن الدخول في الاسلام فيجهض انتشاره.
كما أنه ثانياً يزعزع الكثيرين ممن دخلوا في هذا الدين، فيبدأون في التفكير بالخروج منه؛ فقام الاسلام أمام مثل عمليات التخريب هذه ودفاعا عن ذاتيته بإجراء حاسم قاطع دفاعي لقطع الطريق على مثل هذه المحاولات، فالذي يريد أن يتلاعب فيدخل ويخرج منه متى ما يشاء كان عقابه الموت بقطع الرقبة، حتى لا يفكر أحد بالتلاعب بالدين بعد ذلك، فهذا الإجراء كان ليس ضد الفكر وحرية العقيدة بل ضد عمليات التلاعب بالدين كي يؤخذ الأمر مأخذ الجدية، وهذا الذي فعله الاسلام لاحقا حينما قتل أهل الردة وجماعة من عرينة وهذه لها قصة.
يابانية مثقفة اسمها (هيماري هارو ) تهز رأسها نفياً وهو غير مقتنعة بالإجابة) وتتحدث بطلاقة: ولكن تلك الظروف غير ظروف العالم اليوم، والمسلمون اليوم يعدون فوق المليارين، ولا يمكن لمثل هذه الأساليب التأثير في عقول شعوب وأمم تشربت بالإسلام.
كما أن هذا الإجراء على كافة الأحوال يهدد حرية الاعتقاد دخولا وخروجا، وأنا سمعت عن دينكم من بعض المفكرين غير المشهورين أنه لا يوجد إكراه في الدين في نص القرآن، فيحق للإنسان أن يؤمن متى ما يشاء ويكفر متى ما يشاء، فيحق له الدخول والخروج من أي دين في أي زمان أو مكان تحت أي ظرف فماذا تقول؟.
رئيس الوفد (بصرامة): أختنا (هيماري هارو) النص صريح فلو أردت الخروج بعد الدخول قطعنا رقبتك. بالطبع نحن لسنا متعطشين للدماء بقدر إقامة شرع الله. فلا تُقتلين فوراً بل هناك عملية استتابة، فإن تُبْتِ عن الكفر تركناك، فإن أبيت الا ترك الاسلام واعتناق الكفر تقربنا بدمك إلى الله.
ياباني من مؤخرة القاعة اسمه هاروتو هارو (بشيء من الاستغراب): من جريدة مهمة (تُعتبر صحيفة “يوميوري شيمبون” (Yomiuri Shimbun) أهم وأكبر جريدة في اليابان، وهي ليست الأكبر في اليابان فحسب، بل تُصنّف عالمياً كـأكثر الصحف انتشاراً وتوزيعاً في العالم، حيث يبلغ حجم توزيعها اليومي ملايين النسخ، وحصلت سابقاً على توثيق من موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأعلى صحيفة مبيعات في العالم).
ولكن هب أنني تظاهرت بأنني لم أخرج من الاسلام أو تبت حسب مصطلحاتكم وأنا أبطن الكفر، فأنتم حولتموني بهذه الطريقة الى ما هو أقبح من الكفر وهو النفاق، فالمنافق هو كافر مكثف خبيث مختبيء تحت الأرض، ألم يكن أنفع لكم وأجدى أن أُظهر الكفر علناً، بدل أن أخفي النفاق مثل الجمر تحت الرماد، أو الأفعى المتظاهرة بالموت تحمل السم الناقع باللدغ المفاجيء، ونحن حسب التقنية الراقية الموجودة في مختبراتنا الطبية نخاف من الجراثيم المختبئة المعروفة باللاهوائية، والغانغرين فيها لعين للغاية، فهي أخطر بمالا يقارن من الباكتريا التي تعيش في الضوء والهواء وعلى السطح علناً فماذا تقول يا سيدي؟.
رئيس الوفد الاسلامي (بإصرار وبشيء من رفع الصوت والحدة):
الرأي ليس رأيي كما قلت لك، بل هو رأي رب العالمين، فهذا ما قاله الحديث الصحيح، ثم لم أفهم سبب تركيزك المبالغ فيه على هذه النقطة بالذات، وبهذا القدر من الكثافة، وتغض النظر عن كل محاسن الاسلام التي شرحناها لكم.
سيدة يابانية تدعى (كيمي أونودا) من مجلس الدايت (البرلمان الياباني) بقوة ووضوح: السبب بسيط لأن هذه القضية مصيرية ومتعلقة بحرية اعتناق العقيدة التي سُفك لها من دماء البشر ما يعادل الاوقيانوس، حتى حققت البشرية هذا المكسب في حرية الرأي وحرية العقيدة اعتناقا وتركا، وبنينا مؤسساتنا الديموقراطية بأنهار من الدموع والعرق، فأنتم بهذا الاتجاه الفظيع قطعتم الطريق أمام حرية الضمير عند الانسان.
ولكن مع هذا يبقى عندي تساؤل في نفس اتجاه النص الذي تتسلح به وتحتكر الحقيقة الايديولوجية لنفسك، فأنت تقول إن النص يقول هكذا، ولكن من خلال اطلاعي البسيط على القرآن رأيت أن دينكم واضح في هذه النقطة، فهو يعلن مبدأً عظيماً هو: (لا إكراه في الدين) فهو ينفي كل صور الإكراه والإلزام والضغط والفرض، في أي دين أو مبدأ أو مذهب خروجا ودخولا، لأن صور الإكراه متعددة فمنها ما هو الإكراه على اعتناق دين، ومنها الاكراه على عدم ترك أو الخروج من دين فهي صورة إكراه كما ترى.
رئيس الوفد (بشيء من التفاخر والاعتداد بالنفس): نعم لا يوجد في ديننا أي إكراه، فنحن لانكره أحداً بالقوة أن يدخل في ديننا، ولكننا نغلق عليه الطريق إذا أراد الخروج.
سيدة يابانية من المقدمة تدعى (ساتسوكي كاتا ياما): هل اعتبر هذا مثل المصيدة أو السجن للذي يأتي فيدخل الاسلام، مسموح له بالدخول، ممنوع عليه الخروج، إنها أشبه بالنكتة، أليس في هذا مصادرة للرأي وحرية الاعتقاد، لأن الترك أخو الاعتناق، والخروج صنو الدخول، ولكن ماذا تفعل بهذا النص القرآني الواضح، الذي أعلن هذا الرأي في وقت مبكر من التاريخ الانساني، قبل أن يعلنه فولتير بصرخته (اسحقوا العار) حينما قال: قد اختلف عنك تماماً بالرأي، ولكنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تعبِّر عن آراءك، وقبل أن تتبناها الديمواقراطيات الحديثة، ولكنها ربما كفرا في نظركم، كما أنني فهمت من قرآنكم أن ما يسمى الجهاد تم تشويه فكرته، فأصبح لفتح البلاد وتدويخ العباد، وليس الدفاع عن المظلومين وحماية الانسان من أجل التعبير عن رأيه، من خلال انشاء حلف عالمي لحماية المظلومين والمضطهدين سياسياً، بحيث يهرب كل اللاجئين السياسيين الى دار الاسلام، وليس أن يأتوا الينا كما هو الحال اليوم حيث معظم الهاربين السياسيين هم من العالم الاسلامي بحكومات إسلامية وغير إسلامية.
فالجهاد لم يشرع عندكم لنشر الاسلام بحال من الأحوال، ولكن من أجل منع الفتنة أي حرية العقيدة والرأي. فهذا النص (لا إكراه في الدين) والنص الآخر الذي لا يقل التماعا وروعة الذي سحرني أنا اليابانية (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) كما أن الآيات العديدة التي تذكر من آمن ثم كفر أنه لا يقتل حتى ولو دخل وخرج العديد من المرات (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) فهو حسب النص الذي تتسلح به وتحتكر الحقيقة لنفسك، لم يكن بمقدوره أن يكفر للمرة الثانية لو أزهقت روحه أنت وجماعتك بعد كفره في المرة الأولى!.
رئيس الوفد (بشيء من التضايق): هل تريدين أن تعلمينني ديني، أنا الذي جئتُ ألقِنُكِ أبجدياته، القرآن يا قوم عام والحديث خاص يوضح ملابسات الكلام العام، ولذا كانت الأحاديث واضحة في قتل المرتد.
يابانية من جامعة ناغازاكي تدعى (ايوكو كاتو) سائلةً: ما هذه الأحاديث المزعومة التي تهدم أصلاً عظيما في قرآنكم؟.
رئيس الوفد (وابتسامة خفيفة على وجهه وشعور القوة والاطمئنان بادية على محياه): أول دليل يفقأ العين قتال المرتدين، فكانت حادثة مروعة قتل فيها الآلاف وليس أفرادا متناثرين، فكانت بمثابة الظاهرة الاجتماعية المزلزلة، فالخلفاء الراشدين عندما رأوا الأعراب تركوا الاسلام قاتلوهم مباشرة لإدخالهم مرة أخرى بقوة السيف في الاسلام، بموجب أحاديث واضحة أنه (لا يحل دم امريء مسلم الا بثلاث: قاتل النفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة) وحديث (من بدَّل دينه فاقتلوه) وحديث (أهل عرينة الذين جاؤوا للعلاج في المدينة فلما ارتدوا وهربوا بالابل لم يكتف الرسول ص بقتلهم بل سمل عيونهم وقطع أطرافهم)، فهل تريدون أدلة ميدانية أقوى من هذا؟.
ياباني (متخصص في دراسة الأديان المقارنة) هو الفيلسوف المشهور توشي هيكو ايزوتسو (Toshihiko Izutsu) يعقب بشكل طويل:
مع أنني غير ضليع بعلم الحديث الذي تستشهد به، ولكنني حللت هذه الأحاديث بدراسة مستقلة واستشرت بعض المفكرين فعلمت أشياء غريبة، منها أن الحديث لا يبلغ في القوة مهما بلغ درجة أن يهدم ركنا هاما من الاسلام مثل مبدأ عدم الاكراه، فالنص القرآني هو المرجع النهائي عند الخلاف، فإذا جاء نص من الحديث يخالف النص القرآني صراحةً، بشكل يقطع الطريق على المفهوم القرآني ألغاه النص القرآني بشكلٍ آلي، فعندما تقول الآية أن مبدأ الاكراه ملغي جملة وتفصيلا، ملغي فلا يستخدم ضد أي إنسان، ويجب تحييد الجسد وعدم تعذيبه لإجباره على اعتناق مبدأ ما، أو التعلق به بالقوة.
كذلك أباح القرآن على حد علمي عكسه تماما، فعند استخدام القوة يمكن للإنسان في ظروف كهذه التظاهر بالكفر مع الاحتفاظ بالإيمان سرا، ريثما تنجلي الازمة، لأن ثقة القرآن بالضمير لا حد لها، فهو يحترم العقل والإيمان والقناعة ويحميها، فهو لا يجبر في ثلاث صور: لا يجبر على الاعتناق بالقوة. لا يجبر على الترك بالقوة.
كما لا يجبر على الاحتفاظ بالقوة. فهو يريد تحييد الجسد بالكامل في لعبة القناعة، فهو يراهن على أن العاقبة هي للعقل والقناعة، وليس أساليب القهر والإكراه التي تحمل فشلها سلفا وضمنا باتباعها هذا الأسلوب، لأن طريقة الإقناع غير مرتبطة بالقوة بل بالفهم والاقتناع. وبهذه الطريقة تم إلغاء كل هذه النصوص التي اعتمدتها يا سيدي.
تابع الباحث الياباني توشي هيكو ايزوتسو
وأريد أن أريحك أكثر ومن خلال النصوص التي استخدمتها، أن مشكلة النصوص تكمن أيضاً في التفسير والاستخدام الصحيح لها؛ فالنص الذي استخدمته (من بدَّل دينه فاقتلوه) هل تريد منا أو أفهم عليك أن المسيحي يقتل أيضاً فيما لو بدل دينه فأراد اعتناق الاسلام مثلاً؟ فنغلق الطريق الى الدخول الى الاسلام الذي نصبنا أنفسنا للدعوة له ـ أي أصبحنا أعداء له من حيث لا نشعرـ شيء رهيب أليس كذلك؟! أي أن مبدأ (الطريق الواحد) ساري المفعول لكل الأديان، فنخرج بلاغاً أن وضع الدين يأخذ صفة الجينات الوراثية، التي لا يجب التلاعب فيها بحال من الأحوال.
لا يا سيدي حتى الجينات نحاول أحيانا التداخل لتغييرها في حالات الأمراض الوراثية، أما حسب مفهومكم فكل ذو دين يجب أن يحافظ على ديانته، وكل صاحب مذهب يجب أن لا يبدله، فهي أمور خُتم عليها بالشمع الأحمر الى يوم القيامة بغير رجعة، وممنوع التفكير فيها تحت طائلة الشنق وقطع الرقبة بجريمة الردة؟! أليس في هذا مصادرة كاملة لكل الخيار الانساني وإنشاء مجتمع أحادي التفكير، ديكتاتوري الصبغة تحت العباءة الإسلامية، منافق الصفات، خائف على نفسه، منحبس التفكير من أي حركة عقلية خوف الانزلاق باتجاه (إنكار معلومٍ من الدين بالضرورة) لا ضمانة فيه لأي إنسان أن يغير رأيه، مع أن الانسان في حالة صيرورة لا تتوقف، فهي حركة تجمد وتوقف في الزمن.
ثم إن حديث أهل عرينة الذي استندت إليه راجعناه، وعرفنا أن المسألة مختلفة كلية عن الطريقة التي عرض فيها الحديث، بصورة حملت الإسقاطات والاكراهات الفكرية التي تحملونها، فهؤلاء قُتِلوا لأنهم قَتَلوا وليس لأنهم غيروا رأيهم، يا قوم الا ترون أنكم تسيئون الى دينكم ونبيكم، الى درجة أنكم أصبحتم ليس نورا لنشر الفكر، بل فرامل لإعاقة الحركة العقلية. وأن دينكم خائف وجل من نفسه فيريد المحافظة على أتباعه بأي ثمن ولو تحت التهديد بالقتل، مثل جماعات المافيات؟!.
إن أهل عرينة استاقوا الإبل وقتلوا الناس وهربوا، وبعد كل هذا كان إنكار الاسلام منهم تحصيل حاصل، فكان موقف الرسول ص منطقي في معاقبة مجموعات من القتلة الخطرين، في ظل مرحلة تاريخية، وهو الذي يفعله قانوننا أحياناً تجاه المجرمين، ولكن عرضكم شوه الصورة وقلب الموضوع؛ بحيث لم تعودوا تخدموا مبادئكم بشكل منطقي وعقلاني وإنساني متفتح، فأصبحتم أعداء مبادئكم من حيث لا تشعرون.
وأما حديث قتل (التارك لدينه المفارق للجماعة) فهو واضح أنه انقلب على الجماعة وتآمر عليها وساعد أعداءها وهو ما فعله المرتدون أيضاً بإعلان العصيان المسلح، وهو يقودنا الى ظاهرة المرتدين ومعالجتها في صدر الاسلام، وهي مرة أخرى تشعرنا أنكم تقرأون تراثكم بعيون الموتى.
دعني يا سيدي أضرب لك مثلا معاصرا في هذا الموضوع؛ لأقرب لك حيثيات البحث: لنفترض أن الدولة طالبت أهل مدينة ما بدفع الضرائب فامتنع أهلها عن ذلك، بل قتلوا الشرطة التي جاءت لتحصيلها، وأعلنوا ثورةً مسلحة ضد الدولة، يعلنون فيها عدم استعدادهم لدفع الضرائب، ماذا تفعل الدولة في موقف كهذا حيالهم؟
تأمل تعليل أبي بكر الصديق (ر) لمقاتلة المرتدين، حينما أصر على (عقال بعير) أي تحصيل الضرائب منهم، فهو لم يقاتلهم بسبب تغيير آرائهم أو تركهم للإسلام، بل بسبب مهاجمة المدينة، وقطع الطريق، ونهب القوافل، واستباحة الحرمات، وقتل العباد، والإفساد في الأرض
هنا وصل الحوار إلى قتال المرتدين على يد أبي بكر ثم علي مع الخوارج، فعلي (كرم الله وجهه) حينما قاتل الخوارج لم يقاتلهم لأنهم غيَّروا رأيهم وبدَّلوا دينهم، بل وضح رأيه فيهم عندما سُئِل عنهم: أكفارٌ هم؟ أجاب: من الكفر فروا.
قالوا سائلين: يا أمير المؤمنين: أو منافقون هم؟
قال: المنافقون لا يذكرون الله الا قليلا، وأولئك يذكرون الله كثيرا.
كرروا سائلين: فما تقول فيهم إذاً؟.
أجاب في قولته الشهيرة التي تعتبر من درر الحكم، وقواعد التعامل الانساني في قانونٍ مزلزلٍ في العلاقات: ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه؛ ففي هذه الجملة حدد مجموعتي الانحراف في المجتمع الاسلامي: الأولى هي البيت الأموي الذين تاجروا مع الشيطان ففازوا بالباطل، أما مجموعة الانحراف الثانية فعنى بها الخوارج.
أما الكارثة الأموية فحدثت بفعل هشاشة المجتمع الاسلامي، وحنكتهم القيادية السابقة في التآمر ضد الاسلام بدءً من تخطيط معركة أحد والخندق وانتهاء بالتآمر الدولي الى بلاط النجاشي، وضعف الجهاز المناعي في المجتمع الاسلامي الوليد، الذي كان في بداية تشكله التاريخي، فأصيب بهذا المرض العصبي الأموي الرهيب الذي قاد لالتهاب الدماغ والسحايا للرأس الاسلامي، أسلمه بعدها إلى عطالة عقلية وشلل حركي، كما يحدث في كل الأمراض التي تقود إلى تدمير الجهاز العصبي المركزي، وحرق كمبيوتر الدماغ، يضاف الى هذا غلطة عمر (ر) في توليته معاوية فترة طويلة حكم الشام التي دامت حوالي عشرين سنة، فاستطاع تكوين جيش بيزنطي جديد، يلبس عباءات إسلامية جاهزة لضرب الكعبة، وذبح آل البيت، واستباحة المدينة، وصعود شخصيات جزاَّرين من طراز الحجاج الذي صفى معظم القيادات الفكرية في المجتمع الاسلامي.
أما مجموعة الانحراف الثانية الخوارج فكانوا بدو بسطاء صريحين لا يعرفون التواءات النفاق السياسي. كانوا طلاب حق ولكنهم أخطأوا الوصول إليه .كان الخوارج مخلصين ينقصهم الوعي، وكان الفريق الأموي خبيثاً ذكيا، واعياً ينقصه الإخلاص، يبحث عن مصالحه ولو على حساب إجهاض التجربة الإسلامية كلها، إلى درجة أن تلك التجربة التاريخية العظيمة انتهت قبل أن تبدأ، في أقل من أربعة عقود، في جيلٍ واحد، ليتشكل مكان الدولة الراشدية دولة بيزنطية، لا تختلف عن بيزنطة في شيء، سوى أن الأمويين أدوها بسذاجة أعرابي جاء متأخراً عن درس التاريخ بسبعة آلاف سنة، يتلمس طريقه في الظلمات، بين أطلال حضارة قديمة مليئة بالأفخاخ والألغام.
كانت سياسة الأمام علي (ر) مع الخوارج واضحة (دعوهم ما لم يسفكوا دماً حراما) فهو قاتلهم ليس من أجل آرائهم غيَّروها أم بدَّلوها، مع كل اعتقاده أنهم الذين وصفهم الحديث، بأن أحدكم يحقر صلاته بجانب صلاتكم، وصيامه بجانب صيامكم، ولكنهم مع كل شدة العبادة هذه يمرقون من الدين.
كما يمرق السهم إذا دخل الصيد فخرج منه بدون أثر (كما يمرق السهم من الرمية)، فمع اقتناع علي الكامل بأنهم مرقوا وخرجوا من الدين، لم يحاربهم من أجل أفكارهم، بل حاربهم من أجل رفع السلاح وفرض الرأي على الناس بالقوة المسلحة، وهذا الذي فعله أبو بكر الصديق في قتاله مع المرتدين..
وأريد أن أضيف شيئاً آخر عن فعل رسول الله (ص) أنه لم يُنقل عنه أنه قتل مرتدا لأنه غيَّر رأيه فقط، كما لم يرسل أحداً يغتال الآخرين لمجرد آرائهم تبديلا وتحريفا، بل كان يقاتل من رَفع السيف على الناس لفرض الرأي بالقوة المسلحة، وتآمر وظاهر على الإجرام..
هنا كان الفيلسوف الياباني (توشي هيكو ايزوتسو) قد استوفى الرأي في المسألة فقال: لا أدري يا سيدي هذا بعضاً مما شُرح لي فماذا تقول ؟؟.
رئيس الوفد الإسلامي: الرأي ما سمعت. من يرتد يستتاب فإن أصر على الكفر يُقتل، فهذا حكم الله وشرعه العادل.
يابانية (مختصة في دراسة تاريخ الشرق الأوسط القديم هي الدكتورة أكاري إياما (Akari Iiyama) : قبل أن نختتم الجلسة هناك فكرتان ملحقتان بهذه الفكرة الخطيرة:
1- الأولى: إن هذا السلاح في غاية الخطورة، يمكن تسخيره تحت دعوى الردة، كما حصل من اطلاعي على التاريخ الاسلامي، فالحلاج قُتل أيام الخليفة العباسي المقتدر، والسهروردي زمن صلاح الدين الأيوبي، بفتوى أمسكوه فيها بكلمةٍ تفوهها.
كان الحلاج يصرخ في القاضي ومن معه في لجنة التحقيق: الله.. الله.. في دمي فقتلوه تقطيعا ً، فهذا السلاح (السياسي) يمكن استخدامه ضد أي إنسان معارض سياسياً، بدعوى أنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، ولو راجعنا فتوى محمود طه السوداني، الذي أعدم أيام النميري بهذه الفتوى، لرأيناها من هذا القبيل، في التصفية السياسية المجردة، فهذا الاتجاه الخطير الذي تشكل منذ الأيام الأولى لتشكل العالم الاسلامي العقلي والسياسي، مرض أموي لتصفية المعارضة وإجهاضها، وتصفية العقول المفكرة، وتراثهم، وضرب كل تجمع عقلاني كيفما وأينما وجد، ومحاولة تأسيس ثقافة أموية مازالت آثارها شغَّالة في الثقافة الشعبية حتى اليوم حتى في كلمات أهازيج العيد والسباب (سرسري.. بابا حسن) فبابا حسن هو الإمام علي كرم الله وجهه.
المشكلة أن عظام معاوية تحولت الى تراب منذ أمد بعيد، ولكن الثقافة الأموية مازالت حية نشيطة في تسميم الثقافة وعطالتها حتى اليوم، وفي هذا يجب أن نعترف لمعاوية بالدهاء التاريخي، يتحول أمامه ريشيليو وبسمارك الى تلاميذ بلهاء، ويتعلم على يديه مترنيخ وميكافيللي معاً.
ألا ترى يا هذا أنه سلاح سياسي خطير، وهو سلاح سياسي بالأصل؛ من أجل أن يتخلص الحاكم من المعارضة ولكن بفتوى شرعية.
2- والفكرة الثانية: هي بث الرعب في مفاصل التفكير، أي ممارسة الإرهاب الفكري؛ فطالما كانت مثل هذه الأسلحة (الاستراتيجية) متوفرة فلا يمكن للإنسان أن يدلي بآرائه بصراحة في أي مجلس، بما فيها نقل وقائع هذا المؤتمر الى الرأي الشعبي الاسلامي، أي أن فكرةً من هذا النوع تلقي ظلالاً رهيبة للحجر الفكري، لأن أي بادرة فكرية قد تقود صاحبها الى الهرطقة، فيجب أن يحسب حساب أي فكرة تراوده، هل ستقوده الى قطع الرقبة وتكلفه حياته أم لا، أي أن الاسلام الذي جاء بالأصل لإطلاق الحرية انتهى عمله قبل أن يبدأه ؟!.
رئيس الوفد الاسلامي ( بعصبية ): لا جديد عندي ما أقوله.. في نهاية المؤتمر.. يجتمع اليابانيون ليتداولوا الموقف وإمكانية اعتناقه على هذه الصورة:
يقول (ياسوتا ناكا سوني): إنه مبدأ خطير ليس علينا فقط بل على الجنس البشري ففي رأيي أن هذا المبدأ لا يُعتنق بحال ما لم تعدل هذه الفقرة ونظيراتها بشكل جوهري.
الثاني يعلق وهو رئيس قسم الأبحاث النووية في جامعة ناغازاكي (البروفيسور فوميهيكو يوشيدا (Fumihiko Yoshida) إنني أوافق على ما قاله الزميل (ياسوتا ناكا سوني) وأرى هذا الوفد القادم من الشرق الأوسط في غاية الخطورة على المعمورة؛ فيجب أن نحملهم وأمثالهم في صواريخ نووية الى كوكب آخر فهم يشكلون تهديداً جدياً على الجنس البشري.
ويتقدم رئيس شركة تويوتا لصناعة السيارات (كوجي ساتو) فيقول:
حقاً إنه مبدأ عجيب، تصوروا أنهم يريدون منا أن نصنع سياراتنا بدون إمكانية عودة للخلف (أنارييه مرادف كلمة “أنارييه” (والتي تُنطق في الدارجة وتعود أصلها للغة الفرنسية “En arrière”) هو “Reverse” باللغة الإنجليزية و “Marche arrière” باللغة الفرنسية).
باتجاه واحد فقط، فإذا دخلت السيارة الكاراج لم تخرج منه قط!! إنها كارثة بحق على الصناعة اليابانية والعقلية اليابانية المبدعة، وسوف نفقد كل منافسة في الأسواق العالمية التي نعيش عليها، إنهم سيقودوننا الى كارثة عقلية واقتصادية مزدوجة.
ويعقب وزير المواصلات (يويشيرو هاتا Yuichiro Hata) الذي كان متحمساً لاعتناق الاسلام في أول الجلسة: إنهم قوم عجيبون حقاً، يريدون منا بناء كل طرقنا السريعة الأنيقة باتجاه واحد بدون عودة فيه؟!.
وبعد مداولات ومناقشات يتفق اليابانيون على تسفير هذا الوفد الخطير على متن أقرب طائرة وبدون أي توقف نهائياً، في أي محطة؛ لا في اليابان ولا في غيرها، الى بؤرتهم من حيث خرجوا منها، الى الشرق الأوسط بدون عودة ودعوة للمستقبل.




