عادل الحارتي
تخيَّل معي هذا المشهد: رجلٌ يسكن في خنادق تحت الأرض، لا يحمل هاتفاً، لا يُفصح عن موعد تنقُّله لأحد، ويدخل حاشيتُه اجتماعاته مغمَّضي العينين حتى لا يعرفوا الموقع.
هذا الرجل هو علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، صاحب المفاتيح النووية وقرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط. كان يُعدُّ – وفق الاستخبارات الإسرائيلية ذاتها – هدفاً يكاد يكون مستحيلاً.
ثم جاء صباح الثامن والعشرين من فبراير 2026، فاختفى في ستين ثانية. كيف؟ ليس بجاسوس اخترق حلقته الضيِّقة، ولا بصاروخ أُطلق من الغيب، بل بكاميرا مرور عادية في شارع باستور بطهران. وما إن تفهم هذه القصة، حتى تدرك أن العالم الذي نعرفه قد تغيَّر إلى الأبد.
1- الفخ الذي نصبته إيران لنفسها
في شارع باستور بطهران، كاميرات مرور اعتيادية كانت ترصد تحركات المارة وتتابع تبادل الحراسة ومواعيد المواكب. والمفارقة المؤلمة أن إيران أنشأت هذه المنظومة أصلاً لمراقبة شعبها وتتبُّع الاحتجاجات والتظاهرات، فإذا بها في نهاية المطاف تُراقب إيران كلها.
المفاجأة الكبرى – ونقلاً عن صحيفة فايننشال تايمز -، إسرائيل كانت قد اخترقت ما يقارب جميع كاميرات طهران، ليس كاميرات منطقة بعينها، بل تقريباً كاميرات المدينة بأسرها.
مقاطع الفيديو والمعلومات التي تلتقطها هذه الكاميرات كانت تُجمَّع وتُشفَّر وتُرسَل إلى خوادم في تل أبيب، تعمل عليها نماذج تحليلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وعبر الرصد المتواصل على مدى فترات طويلة، تمكَّن المحللون من معرفة عناوين مساكن أفراد الحراسة، وجداول تبادل المناوبات، وهوية المسؤولين عن حماية كل شخصية.
بل إن مصدراً استخباراتياً أفاد بأنهم كانوا يرون طهران كما يرون القدس تماماً. والحقيقة أن أخطر ما في التكنولوجيا أن الأنظمة التي تُصمِّمها لحمايتك قد تغدو السلاح الذي يُحقق هزيمتك.
2- خمسة وعشرون عاماً من الصبر الاستخباراتي
القصة لم تبدأ عام 2026، ولا حتى عام 2020. بل انطلقت منذ عام 2002، حين استدعى أرييل شارون رئيس الموساد مائير داغان وأبلغه بجملة واحدة: “من الآن فصاعداً، إيران هي الأولوية القصوى لإسرائيل”. ومنذ ذلك اليوم، وعلى مدى خمسة وعشرين عاماً، عمل الموساد ولا سيما وحدة 8200 المسؤولة عن التجسس الإلكتروني عن طريق جمع الإشارة وفك الشفرة، على بناء منظومة تجسس غي مسبوقة، تضمَّنت: اختراق الشبكات، واغتيال علماء الطاقة النووية، وسرقة مخططات المشروع النووي، واختراق الأنظمة الإلكترونية الإيرانية، وصولاً إلى كاميرات المرور في قلب طهران.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليجمع كل هذه البيانات، مُضيفاً إليها إشارات الهواتف المحمولة وصور الأقمار الصناعي ومعلومات العملاء الميدانيين، ليُخرج نتيجة وحيدة: الإحداثيات الدقيقة لموقع المرشد الأعلى فجر يوم الثامن والعشرين من فبراير.
3– السؤال الذي يُلقي بظلاله: أين كان لاريجاني؟
غير أن ثمة سؤالاً يُقضُّ مضاجع المحللين ولا يزال معلَّقاً في الهواء: كيف وصلت المعلومة الحاسمة – وهي أن خامنئي سيكون في المجمع صباح السبت مع قيادات أمنية وعسكرية – إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الوقت المناسب تماماً؟
هنا تبرز أصابع الاتهام باتجاه اسم واحد: علي لاريجاني، الرجل الذي جمع في مسيرته رئاسة البرلمان والمفاوضات النووية والقربَ من دوائر صنع القرار.
الشكوك التي بدأت تحوم حوله – ولم تُثبَت حتى الآن ولا يمكن الجزم بها – تشير إلى احتمال وجود تنسيق بينه وبين عدد من قادة الجيش الإيراني، ممن رأوا في الاستمرار على النهج ذاته طريقاً مسدوداً يقود إيران نحو الهاوية، ولعل المفارقة الأكثر إثارةً أن الرجل الذي كان يُتقن فن التفاوض ويعرف دهاليز النظام من الداخل، قد يكون هو نفسه من فتح الثغرة التي لم تستطع عقود من التحصين أن تسدَّها. ولو صحَّ ذلك، فإن التاريخ سيسجل مرةً أخرى أن الإمبراطوريات لا تسقط من الخارج وحسب، بل كثيراً ما تُهدَم من الداخل.
4- حرب في تطبيق الأذان
لم تكن الضربات الجوية بطائرات F-35 سوى جزء من المشهد. ففي الوقت ذاته، كانت تدور حربٌ من طرازٍ مختلف عبر تطبيق “BadeSaba Calendar”، الأكثر استخداماً في إيران لمواقيت الصلاة والأذان، والذي يعتمد عليه ملايين الإيرانيين، ففي صباح العملية ذاتها، فوجئ المستخدمون برسائل تصلهم بعد اختراق التطبيق: “لا تقلقوا، المساعدة في الطريق، وقد حان وقت الحساب”.
كما وُجِّهت رسائل مخصَّصة لعناصر الحرس الثوري تدعوهم إلى إلقاء أسلحتهم والانشقاق مع وعد بالحماية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدَّ إلى اختراق قنوات التلفزيون الإيراني التي أذاعت صوراً لترامب ونتنياهو يتحدثان بالفارسية، رسالةٌ نفسيةٌ صريحة مفادها: “نحن داخل بيتك”.
هذا ما بات يُعرَف بـ”حروب الإدراك والوعي”، الهدف ليس هزيمة الجيوش، بل تحطيم المعنويات وإيقاع الشعوب في فوضى معلوماتية تُولِّد الخوف والإحباط.
5- من مادورو إلى خامنئي: نمط أمريكي متكرر
قبل أن نستشرف المستقبل، لا بد من استحضار سياق لافت: قبل أشهر من العملية الإيرانية، جرى اعتقال نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا في عملية أمريكية مدروسة.
وما بدا آنذاك حدثاً معزولاً في أمريكا اللاتينية، بدأ يتكشَّف اليوم بوصفه جزءاً من منظومة استراتيجية واحدة: تفكيك منظومة الدول المعادية للنفوذ الأمريكي واحدةً تلو الأخرى.
فمادورو كان يُمثِّل شريان النفط الذي تستورده الصين بعيداً عن هيمنة البترودولار. وخامنئي كان يُمثِّل الذراع الإقليمي الذي يُهدِّد الاستقرار في قلب منطقة الطاقة العالمية.
وبين فنزويلا وإيران، يتجلَّى نمطٌ واحد: من يستطيع الخروج عن النظام الأمريكي؟ الجواب الذي تُقدِّمه واشنطن عملياً وليس نظرياً: لا أحد.
6- صمت موسكو وحياد بكين: الغائبان الأكثر دلالة
في خضمِّ هذا الزلزال الجيوسياسي، لفت الانتباهَ غيابٌ صارخ من طرفين كان يُتوقَّع منهما موقفٌ أكثر حدة: روسيا والصين.
روسيا التي تربطها بإيران شراكةٌ واسعة في الأسلحة والطاقة والمواقف الدولية، آثرت الصمت البراغماتي. والسبب مزدوج: فارتفاع أسعار النفط جرَّاء التوتر يصبُّ مباشرةً في خزينتها المُثقَلة بالعقوبات الغربية، كما أن انشغال واشنطن بالشرق الأوسط يُخفِّف من ضغطها على الملف الأوكراني.
لذا، فإن روسيا ليست بالضرورة خاسرةً من هذا التصعيد، وإن أظهرت الحداد على حليفها.
أما الصين، فموقفها أكثر تعقيداً. فهي أكبر مستورد للنفط في العالم، وتمتلك أضخم احتياطي نقدي دولاري، وتخوض مع واشنطن معركةً تجاريةً وتكنولوجية حامية. أي تصعيد في أسعار الطاقة يُمثِّل عبئاً مباشراً عليها.
ومع ذلك، اختارت بكين الصمت وابتلاع الخسائر، لأن الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في هذا التوقيت بالذات يبدو تكلفةً أعلى مما تستطيع تحمُّله. الصمت الصيني إذن ليس ضعفاً، بل هو حسابٌ بارد بعيد المدى.
7- الخارطة الجيوستراتيجية الجديدة للشرق الأوسط
أياً كانت النتيجة النهائية لما يجري، فإن الشرق الأوسط لن يعود إلى ما كان عليه. ثمة تحولات جيوستراتيجية عميقة باتت تتشكَّل أمام أعيننا:
أولاً، دول الخليج أمام خيارات مصيرية: فمع تراجع المظلة الإيرانية التي كانت تُوازن قوة إسرائيل في المنطقة، وجدت دول الخليج نفسها في مشهد مختلف. من ناحية، تبدو البيئة الأمنية أقل تهديداً مباشراً من الوكلاء الإيرانيين في اليمن ولبنان والعراق.
لكن من ناحية أخرى، الفراغ الذي تتركه إيران المُضعَفة أو المُفككة ليس فراغاً آمناً؛ فالفوضى تملأ الفراغ قبل الاستقرار دائماً. والخليج سيدفع فاتورةً اقتصادية باهظة إذا ما اتسعت رقعة الاضطرابات، فارتفاع أسعار الطاقة سلاحٌ ذو حدَّين.
ثانياً، لبنان والعراق على الحافة: كلا البلدين ارتبط ارتباطاً عضوياً بالمنظومة الإيرانية. فإذا انهار الدعم الإيراني، فإن حزب الله في لبنان يواجه معادلةً وجودية جديدة، والفصائل المسلحة في العراق تجد نفسها أمام منعطف مصيري. وفي كلتا الحالتين، احتمال الانزياح نحو الفوضى الداخلية قائمٌ وخطير.
ثالثاً، إسرائيل والثمن الاستراتيجي للانتصار: نعم، إسرائيل هي المستفيد الأول والأكثر وضوحاً. لكن الانتصار الاستراتيجي لا يعني غياب المخاطر؛ فإيران مُضعَفة لا تعني بالضرورة إيران مُستسلِمة، والجمر تحت الرماد قد يُشعل حرائق لا تُحمد عقباها في أي لحظة.
ختاما، من ستاكسنت (برمجية حاسوبية خبيثة تصيب نظام الويندوز) الذي عطَّل مفاعل نطنز عام 2010، إلى كاميرات المرور في شوارع طهران، إلى تطبيق مواقيت الصلاة الذي أصبح سلاحاً نفسياً، ثم إلى الصواريخ والطائرات.
أصبحنا نعيش قصة متصلة الحلقات، وفصلا جديدا في تاريخ الحرب البشرية، بأن الدرس الأعمق في كل ما يجري ليس أن إيران هُزمت، ولا أن إسرائيل انتصرت.
ولكن التكنولوجيا التي نبنيها لحمايتنا قد تصبح السلاح الذي يُردِينا، وأن الإمبراطوريات لا تسقط فقط من الخارج، بل كثيراً ما تُهدَم من الداخل.
نحن الآن، أصبحنا مدعوين أكثر مما مضى إلى خوض حربٍ أخرى، لا تُطلَق فيها الصواريخ ولا تدوي فيها المدافع، حرب الوعي والتمييز والتفكير النقدي.
فوسط طوفان الأخبار المزيَّفة والفيديوهات المُصنَّعة بالذكاء الاصطناعي والمحتوى المُوجَّه من كل حدبٍ وصوب، أصبح العقل الصاحي الواعي هو آخر خطوط الدفاع التي لم تخترقها بعد أي وحدة 8200 في العالم، و نتذكَّر دوماً أن التكنولوجيا التي تمنحنا كل شيء، قادرةٌ على أن تسلبنا كل شيء.




