في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والتجاري، يواصل المغرب تعزيز موقعه كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا، مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يجعله معبراً أساسياً لتدفقات السلع ورؤوس الأموال وحركة الأشخاص.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت الرباط إلى تنويع شركائها الاقتصاديين، مع تسجيل تقارب ملحوظ مع الصين، دون أن يؤثر ذلك على علاقاتها التقليدية الراسخة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يظل شريكها التجاري الأول.
أرقام قياسية في التبادل التجاري مع الصين
تشير المعطيات الحديثة وفق تقرير نشر أمس الأحد في صحيفة “el español “الايبيرية إلى أن المبادلات التجارية بين المغرب والصين سجلت مستويات غير مسبوقة، حيث بلغت خلال النصف الأول من سنة 2025 نحو 59.8 مليار دولار، بزيادة تقارب 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ويعزى هذا الارتفاع بالأساس إلى تنامي واردات المغرب من المنتجات الصينية، خاصة في مجالات التكنولوجيا، مثل الهواتف الذكية والمركبات.
في المقابل، واصل المغرب تعزيز صادراته نحو السوق الصينية، التي بلغت حوالي 6.9 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليوز 2025، محققة نمواً بنسبة تفوق 10% مقارنة بسنة 2024.
ويأتي هذا التطور في ظل توجه بكين إلى تخفيف الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من الدول الإفريقية، في إطار سياستها الرامية إلى توسيع حضورها الاقتصادي في القارة.
في قلب صراع النفوذ العالمي
هذا التحول في البوصلة التجارية المغربية يتزامن مع احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين على زعامة النظام الدولي، حيث تسعى بكين إلى تعزيز نفوذها ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً تكنولوجياً وجيوسياسياً، في مواجهة واشنطن.
وفي هذا الإطار، يبرز دور شي جين بينغ، الذي يقود استراتيجية توسعية تستهدف تعزيز حضور بلاده في إفريقيا، عبر الاستثمارات والبنية التحتية والشراكات التجارية، في محاولة لمعادلة النفوذ الأمريكي في مناطق حيوية من العالم.
شراكة أوروبية راسخة رغم الانفتاح شرقاً
ورغم هذا الانفتاح المتزايد على الصين، لم تتأثر علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي، بل على العكس، لا تزال هذه الشراكة قائمة على أسس استراتيجية متعددة، تشمل التعاون في مجالات الهجرة، ومراقبة الحدود، والزراعة، والصيد البحري.
ويستمر التنسيق بين الرباط وبروكسل في ملفات حساسة، تعكس تشابك المصالح بين الجانبين، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعرفها الضفة الجنوبية للمتوسط.
ملف الصحراء في قلب التوازنات الإقليمية
على الصعيد السياسي، يظل ملف الصحراء المغربية أحد أبرز محددات العلاقات الإقليمية للمغرب، حيث يحظى مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته الرباط سنة 2007 بدعم متزايد من عدد من الشركاء الدوليين، من بينهم الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، كانت إسبانيا قد أعلنت سنة 2022 دعمها للمبادرة المغربية، وهو ما أدى إلى توتر دبلوماسي مع الجزائر، قبل أن تشهد العلاقات بين مدريد والجزائر انفراجاً نسبياً في 2026، عقب زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر، وإعلانه إعادة تفعيل معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين.
توازن دقيق بين الشرق والغرب
يعكس التوجه المغربي نحو تعزيز علاقاته مع الصين، بالتوازي مع الحفاظ على شراكاته الأوروبية، سياسة براغماتية تقوم على تنويع الشركاء وتقليل المخاطر في عالم يشهد تحولات متسارعة. وهو ما يضع المملكة في موقع متقدم ضمن خارطة التنافس الدولي، كفاعل قادر على المناورة بين القوى الكبرى دون الارتهان لأي محور بعينه.




