آراءسياسة
أخر الأخبار

لحظة الخليج.. على وجه الحقيقة

قناةُ الجزيرة دخلت بهذا المشروع الأمريكي ليس فقط إلى كل دولة من المغرب، حتى إندونيسيا لكن إلى كل بيت وعقل وقلب، فلم يحدث منذ جاء نابليون بونابرت يغزو بلادنا ومعه المطبعة كأداة استعمارية، أن توفرت لأي استعمار سابق أداة ضخمة، مثلما توفرت قناة الجزيرة للمشروع الأمريكي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001

”لقد أسقطنا النظام في تونس، وسوف نسقط النظام في مصر”، هكذا حدثني أحد قيادات قناةُ الجزيرة القطرية أثناء انعقاد القمة التنموية العربية الاقتصادية والاجتماعية في مدينة شرم الشيخ قبل أيام، أقل من أصابع اليد الواحدة على ابتداء ثورة 25 يناير 2011، كانت قناةُ الجزيرة التي تأسست 1996 هي رياحُ العولمة العاصفة، التي ألقت حجارةً ضخمةً في بحيرات الإعلام العربي الراكدة، ثم بعد خمس سنوات من تأسيسها أي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أصبحت القناةُ- بإمكاناتها الجبارة- أداة طليعية في مشروع إعادة تشكيل شرق أوسط جديد، أعلنته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، قناةُ الجزيرة دخلت بهذا المشروع الأمريكي ليس فقط إلى كل دولة من المغرب، حتى إندونيسيا لكن إلى كل بيت وعقل وقلب، فلم يحدث منذ جاء نابليون بونابرت يغزو بلادنا ومعه المطبعة كأداة استعمارية، أن توفرت لأي استعمار سابق أداة ضخمة، مثلما توفرت قناة الجزيرة للمشروع الأمريكي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001.

نجحت القناةُ في ربع قرن أن تتسلل إلى كل الضمائر والمشاعر تحملُ إليها كافة الغزوات الأمريكية عبر شاشات جذابة وأصوات جميلة ولغة رشيقة ووجوه سيدات ورجال يمثلون كل العالم العربي بكل تياراته، مرَّرَت القناةُ حرب الـ25 عاماً الأمريكية على عالم الإسلام ابتداءً من غزو أفغانستان 2001 حتى غزو إيران مرتين في 2025 ثم 2026.

عبقرية القناة في الربع قرن أنها أظهرت أشياءً لا حصر لها، لكنها أخفت شيئاً واحداً وهو حقيقة أن الذي يجري من حرب أفغانستان إلى حرب إيران، إنما هو حرب أمريكا على عالم الإسلام، حرب متعددة الأدوات والأشكال، لكن متوحدة الأهداف والأغراض.

فالهدف والغرض هو عالم إسلامي خاضع للتفوق الأمريكي ومتكيف مع القيم الأمريكية ومتقبل للثقافة الأمريكية، بحيث لا يمثل خطراً على المصالح الأمريكية في داخله، كما لا يمثل خطراً على الأمن الأمريكي سواء في العالم أو في داخل أمريكا ذاتها. لم تكُن القناة تعمل وحدها كانت طليعة حركة متناغمة تتضافر فيها قوى عديد..

1- قوة التمويل الأمريكي الذي ملأ العالم الإسلامي من إندونيسيا حتى المغرب بجمعيات ومنظمات، وهيئات تعمل في مجالات التبشير بالديمقراطية وحقوق الإنسان، هذا التمويل نجح في تأسيس نخب صاعدة ذات أجندات متشابهة، تدور حول أهداف مثالية، كانت هي الرديف الميداني والظهير الأرضي لخطاب قناة الجزيرة العابر للسموات الوطنية والإقليمية، قناة الجزيرة كانت قوة طيران، تفرض سيطرة كاملةً على الأجواء، كانت نخب التمويل الصاعدة تمثل قوى مشاة، تفرض سيطرتها على الأرض.

2- قوى التغيير الإسلامي التي تشجعت على التعاون مع المشروع الأمريكي بعد نجاح تجربة الإسلاميين في تركيا، حيث تخلوا عن بعض الثوابت التي كان يمثلها جيل نجم الدين أربكان، بينما تمتع تلميذه رجب طيب أردوغان بمزاج برجماتي ميكيافيللي، استطاع به أن يكسب ثقة الأمريكان ورعايتهم وكفالتهم مع قدر من الصلابة والتوازن، فلم يفقد بوصلته التركية الوطنية ولا هويته الإسلامية بخصائصها التركية.

نجاح النموذج التركي في التكيف مع الخطوط العريضة للمشروع الأمريكي، شجع الأمريكان على توسيع المتعاونين من الإسلاميين سواء في دول عربية أو إسلامية، كما تشجع كثيرون من الإسلاميين على تجريب التعاون مع المشروع الأمريكي لتشكيل شرق أوسط جديد.

3- قوى الشباب الصاعدة في كافة بلدان العرب والمسلمين، وهي قوى جديدة لم تشهد حقب الاستعمار، ولم تسمع خطب الاستقلال، ولم تتشرب أفكار الوطنية وأغانيها وأناشيدها المبتذلة، أجيال تفتح وعيها في سنوات انهيار الإيديولوجيا وصعود العولمة وانهيار الحواجز وثورة المعلومات، أجيال وقفت مع الواقع الرديء وجهاً لوجه: تنمية متعثرة، فقر منتشر، فساد مسيطر، استبداد متأصل، مجتمع يئن، مرافق تتهالك، دول شائخة، أقليات ثرية، أغلبيات تعيسة.

هذه القوى الشبابية الصاعدة لم تكن تملك غير حلم مشروع واحد، هو حلم التغيير، ولم يكن يعنيه من أي اتجاه يأتي التغيير، المهم عنده أن يأتي التغيير، ومسرعاً، ومن أي اتجاه كان، وليس مهماً الثمن المدفوع.

4- قوى التعفن الداخلي في كل بلد عربي أو إسلامي، حيث نخب فاسدة تحكم بانتخابات مزورة تراكم الثروات، وتعيش حياة الأباطرة وتغلق في وجه الشعوب فرص الحياة الكريمة، كما تغلق في وجهها احتمالات التغيير.

هذه النخب كانت هي من تخلق التربة الصالحة والمناخ الملائم؛ ليجد المشروع الأمريكي من ينساق في تياره، كما يجد خطاب الجزيرة من يهواه ثم يغواه ثم يقع بشدة في إغرائه وجاذبيته.

هذه النخب المنحطة هي المسؤولة- بالدرجة الأولى- عما وقع في بلدانها من دربكة في الربع قرن الأخير، فهي من أضعفت مناعتها الداخلية، وهي من أضعفت حصانتها الذاتية، وهي من خلقت الفجوة الواسعة ثم القطيعة الحادة بينها وبين شعوبها.

تجربة الجزيرة وتضافرها مع مشروع الشرق الأوسط الجديد خلق من دولة قطر قوى عظمى من زاوية القدرة الخارقة على الحضور، ثم التأثير ثم التوجيه ثم تحريك الأحداث ثم صنع التاريخ الفعلي ذاته على الأرض، فالعبارة التي سمعتُها بدأتُ بها هذا المقال، كانت تعبر عن محض قدرة واقعية لا عن محض أمنيات أو شعارات أو خيال، دولة قطر كانت على مدى ربع قرن من غزو أفغانستان حتى غزو إيران قوة عظمى من حيث القدرة على الوصول إلى الضمائر والمشاعر والأفكار والعقول، تؤثر فيها وتوجهها وتحركها.

حاولت أمريكا في الخمسينيات من القرن العشرين، أن تمنح السعودية دوراً إقليمياً، تكافح به النجم الصاعد لمصر الناصرية، لكن نجاحها كان محدوداً، ومن قبل ذلك، حاولت تجميع تركيا مع إيران مع باكستان مع العراق مع بريطانيا ثم هي من خلفهم جميعاً في حلف بغداد 1954، لكنها أخفقت، ثم حاولت أن تجعل من إيران الشاه بوليس الإقليم، لكنها أخفقت وانتهى الشاه نفسه طريداً بعد نجاح الثورة الإيرانية، ثم تشوف صدام حسين؛ ليكون بديل الشاه، لكنه استنزف نفسه وبلده في مغامرات مهلكة حتى سقط وسقط العراق كله، لم تستطع أي من تلك المحاولات، أن تنشئ نموذجاً للسطوع الإقليمي.

حتى جاءت حقبة العولمة وثورة المعلومات، ونشأ عالم جديد بعد الحرب الباردة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبعد تفرد أمريكا بقيادة العالم، وظهور أجيال شابة مختلفة عن أجيال دولة ما بعد الاستقلال، وفي هذا السياق، كانت كل الظروف تدفع، لأن يولد النموذج القطري ثم ينجح حتى يعتقد الناس، أنه نموذج سماوي غير أرضي، من فوق التاريخ وليس من تحته، من خارج الواقع وليس من داخله، يسبح في أفلاك عليا، تتوفر لها الحماية من ذاتها فلا تطولها يد الأذى ولا ينالها عدوان، فهي ليست فقط متضافرة مع المشروع الأمريكي، لكنها أيضاً محمية بقاعدة أمريكية.

هذه الحالة القطرية المثالية خلقت تنافساً إعلامياً مع اثنتين من دول الخليج: السعودية ثم الإمارات، بينما بقيت سلطنة عُمان والكويت والبحرين بمنأى عن هذه المنافسة. دولة قطر كان طموحها هو التمتع بقوة الحضور والتأثير والتوجيه في إطار الأهداف العليا للمشروع الأمريكي، فلم تكن تطمح لأكثر من ذلك.

أما الإمارات فجمعت إلى جانب الإعلام مطامح سياسية، سواء كانت في إطار المشروع الأمريكي أو باستقلال عنه، أي في إطار مشروع هيمنة إماراتية إقليمية أقرب ما يكون إلى استعمار عربي أو استعمار إقليمي جديد. مثلها كانت السعودية لكن مع اندفاع أقل وحذر أكثر.

وبفعل الثلاثة: قطر، الإمارات، السعودية بدا كما لو كان عالم عربي جديد يتشكل، تتنافس على قمته هذه الدول الثلاث، التي باتت كما لو كانت قوى إمبراطورية طامحة، لكنها لا تعلم طامحة إلى ماذا؟ أو ذاهبة إلى أين؟ حتى بدأت تتضح حقيقة أن القوى الثلاث فقط تجرب نفسها وحظها في عالم عربي وقع في فخ الفراغ منذ هزيمة 1967، ثم اختفاء عبد الناصر 1970، حتى تساقطت دول ذات وزن ثقيل مثل العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان؛ فخلق ذلك فراغاً، تمرح فيه الدول الثلاث دون هدف استراتيجي واضح غير شراء الولاءات الداخلية عبر التمويل والتسليح.

اللحظة الخليجية ليست فرصة سنحت لحرية الحركة لثلاث دول خليجية بين خرائب عالم عربي يتساقط، لكن اللحظة الخليجية كانت وما زالت حالة اختلال بنيوي مزمن، يجعل الساحل الشرقي من الخليج في حالة قلق دائم على ألف باء وجوده منذ رضي- باتفاق- أن يخضع للحماية البريطانية في مطلع القرن التاسع عشر، حتى نظر حوله، فوجد نفسه مُحاطاً بالخطر من كل اتجاه دون حماية مضمونة المصدر.

اللحظة الخليجية ليست شيئاً، ولن تكون شيئاً، غير اختلال بنيوي مزمن، يجعله دائماً وأبداً، في حاجة ماسة إلى الحماية، الحماية تأتيه من خارجه، ضد المخاطر التي تأتيه من داخله، وأكرر من داخله، كما تأتيه من خارجه.

الحديث مُستأنف الأسبوع المقبل بمشيئة الله تعالى.. 

https://anbaaexpress.ma/7wot4

أنور الهواري

صحافي وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى