سامي المودني
يغادر اليوم النقيب أحمد طالب ولد المعلوم موقعه على رأس نقابة الصحفيين الموريتانيين، بعد سنوات من المسؤولية النقابية التي قادها في ظرفية لم تكن سهلة، داخل حقل إعلامي تتقاطع فيه التحديات المهنية مع حساسيات المهنة وتعقيدات العمل العام.
لكنه يغادر، قبل كل شيء، تاركا أثرا طيبا لدى كثيرين ممن عرفوه، أو اشتغلوا إلى جانبه، أو التقوه في محطات مهنية وإنسانية مختلفة.
ليست كل التجارب النقابية تُقاس فقط بحجم الملفات التي حسمت، أو المعارك التي ربحت، أو البيانات التي أُصدرت.
أحيانا، يكون المعيار الأهم هو الطريقة التي يدير بها الإنسان الاختلاف، وكيف يحافظ على احترام الناس وسط ضجيج المواقف وتباين الآراء. وهنا بالضبط، تكمن قيمة الرجل.
فخلال تجربتي معه، وخاصة من خلال اشتغالنا المشترك ضمن الشبكة المغاربية لحرية الإعلام، عرفت فيه شخصية هادئة، رزينة، ومنفتحة على الحوار.
كان يؤمن بأن العمل النقابي ليس مساحة للصراخ أو تصفية الحسابات، بل فضاء للدفاع عن المهنة، وتقريب وجهات النظر، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل الجسم الصحفي.
كان حاضرا دائما بروح إيجابية، متفاعلا مع مختلف المبادرات المتعلقة بحرية الصحافة والتعاون المغاربي، مقتنعا بأن معارك الإعلام في منطقتنا أكبر من الحدود، وأن الصحفيين بحاجة إلى بناء جسور الثقة والتنسيق أكثر من حاجتهم إلى تعميق الانقسامات.
وعلى المستوى الإنساني، كان الرجل وفيا لخصاله التي يعرفها عنه المقربون: دماثة الخلق، التواضع، حسن الاستماع، واحترام الجميع دون تمييز.
وهي صفات لا تصنع بالشعارات، بل تظهر في التفاصيل الصغيرة، وفي طريقة التعامل مع الناس، خصوصا في لحظات الاختلاف أو التوتر.
قد يختلف البعض في تقييم حصيلة هذه المرحلة النقابية، وهذا أمر طبيعي وصحي في أي تجربة ديمقراطية، لكن ما يصعب الاختلاف حوله هو أن أحمد طالب ولد المعلوم حافظ، طوال سنوات مسؤوليته، على صورة رجل محترم، متزن، وغير منجرف نحو الصراعات الشخصية أو المزايدات التي أنهكت كثيرا من الفضاءات النقابية في عالمنا العربي.
وربما أجمل ما يمكن أن يحققه أي مسؤول في نهاية مساره، ليس فقط أن يذكر بما أنجزه، بل أن يترك وراءه هذا القدر من الاحترام الإنساني الصادق. ذلك الاحترام الذي لا تمنحه المناصب، بل تمنحه الأخلاق.
اليوم، وهو يغادر موقعه النقابي، يبقى الأمل أن تستمر النقابة فضاء للحوار والانفتاح والدفاع المسؤول عن المهنة، وأن يواصل النقيب الجديد البناء على ما تحقق، بروح تجمع ولا تفرق، وتحافظ على ما تحتاجه الصحافة دائما: الحكمة، والكرامة، والإنسانية.
* منسق الشبكة المغاربية لحرية الإعلام




