ليس الغاية من قراءة وتحليل كتاب “الأمير” لنيكولا مكيافيلي هو الإشادة ببعض مضامينه والتحذير من بعضها الآخر. فالقارئ ليس مطالبا، أمام هذا النص، باتخاذ موقف الرفض أو الإعجاب والتبني، بقدر ما هو مدعو إلى التأمل في مدى عمق تأثير الكتاب في الفكر والممارسة السياسية منذ صدوره إلى اليوم.
إن التمعن في فصول الكتاب وفقراته لا ينبغي أن يكون محكوما مسبقا بخلفيات وأحكام قيمة جاهزة، من قبيل إسقاط منظوماتنا الأخلاقية الذاتية عليه، أو استحضار مرجعيات دينية وثقافية بعينها للحكم على أفكاره قبل فهم منطقها الداخلي.
بل يبدو، في تقديري، أكثر جدوى أن ترتب الاستنتاجات التي يتيحها النص واحدة تلو الأخرى، ثم تقرأ في ضوء تفاعلها مع المرجعيات الواقعية بأبعادها الأخلاقية والدينية والثقافية التي سادت في المراحل التاريخية البارزة التي أعقبت صدوره.
كما أن التعامل مع عبارات الكتاب وأفكاره لا يمكن أن يكون مجديا إلا بالتركيز على ما تضمنه من تنوع في التصورات والقواعد السياسية، وعلى الآثار التي خلفتها، وعلى قوة الإغراء الذي مارستها وتمارسها على ممارسي السلطة في عصرنا، في ظل تطور التأويلات الدينية والمنظومات الأخلاقية والحقوقية.
إن “الأمير” ليس مجرد كتاب وجه حصريا إلى حكام القرن السادس عشر، بل أثبتت دراسات وقراءات متعددة أنه يحمل بين طياته أفكارا شديدة الإثارة، استرعت ولا زالت تسترعي اهتمام ممارسي السلطة.
وقد أكدت التحولات السياسية المتعاقبة أن الشعوب عاشت، في مراحل مختلفة، ظروفا استثنائية تراجعت فيها نعومة الممارسة السياسية بشكل ملحوظ، لتغلب عليها مظاهر العنف والخشونة والضغوطات المصلحية والمكائد والدسائس. كما أن الأخلاق لم تعد القاعدة الّأولى والأخيرة التي تتحكم في الحياة السياسية، داخل الأوطان وخارجها.
ومن هنا، يبقى من واجب المحلل السياسي البحث العميق في دلالات النص ومقاصده، ومحاولة تقديم إجابات مقنعة عن سؤال جوهري:”إلى أي مدى ما زال الحكام المعاصرين يلجؤون، بصورة مباشرة أو خفية، إلى بعض أفكار مكيافيلي؟ وإلى أي حد ما زال ينظر إليه بوصفه مرشدا في ممارسة السلطة؟ وهل يمكن إضفاء صلاحية مطلقة لنصائحه في كل زمان ومكان؟.
مهما تعددت الإجابات وتنوعت، فلا يمكن إنكار المكانة التاريخية التي يحتلها مكيافيلي في تاريخ الفكر السياسي. فقد اعتبر من أبرز مفكري عصر النهضة. فبعدما تعرض للمضايقات قيد حياته، نتيجة ما أثارته كتاباته من جدل واسع، عاد اسمه بعد وفاته للواجهة واشتد النقاش حول أفكاره ومؤلفاته.
لقد أسهم مكيافيلي في زحزحة عدد من الاعتقادات التقليدية التي كانت سائدة في عصره، وقدم، منذ الصفحات الأولى من “الأمير” إلى نهايته، تصورا خاصا للحاكم الناجح، مستندا إلى أمثلة وأحداث تاريخية وتجارب سياسية واقعية.
كما ساهم، من خلال منهجه وعباراته وتحليلاته، في بلورة نمط جديد من التفكير السياسي الأوروبي، ارتبط بما عرف لاحقا بالنهضة وبصعود النزعة الواقعية في تحليل السياسة.
وقد شاع، عبر أجيال متعاقبة، الاعتقاد بأن فهم مكيافيلي يقتضي فهم جانب أساسي من آليات ممارسة السياسة كما تمارس في الواقع وكواليسه، سواء في العلاقات الداخلية أو في العلاقات بين الدول.
فبقدر ما تعرض مكيافيلي للشيطنة بسبب نصائحه للأمير، وبخاصة حين جعل المحافظة على الدولة واستمرارها غاية مركزية، بقدر ما نظر إليه أيضا باعتباره مفكرا نافذ البصيرة في أعماق السياسة.
وقد نحج في لفت الانتباه إلى حضور القوة والعنف والمكر والمصلحة في الممارسة السياسية، إلى درجة تحول معها كتاب “الأمير” إلى أحد النصوص المؤثرة في تاريخ الفكر السياسي.
ومع تطور المؤسسات السياسية الحديثة، التي سعت إلى الحد من “الشخصنة” في السياسة وإخضاع السلطة للقواعد والقوانين، ظهرت، في مراحل مختلفة، إمكانية أو جواز استخدام المؤسسات نفسها لتبرير إجراءات قاسية أو خادعة، متى اعتبرت ضرورية لحماية الدولة أو السلطة أو تحقيق الاستقرار السياسي في ظروف زعزعته.
وهنا يتجدد التعاطي مع إحدى الإشكاليات الأساسية التي أثارها مكيافيلي: إلى أي حد يمكن أن تصبح ضرورة الحفاظ على الدولة مبررا لاستخدام وسائل تتعارض مع القواعد الأخلاقية المعتادة؟.
لقد مكنه له ذكاؤه ومنهجه التحليلي من تجنب اختزاله في صورة “معلم للشر”. والأدق أن أفكاره قرئت، في سياقات مختلفة، باعتبارها محاولة للكشف عن منطق السلطة كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.
لم ينشغل بالسؤال: كيف يصبح الحاكم صالحا؟ وإنما سعى إلى تقديم تحليل واقعي للوسائل التي تمكن الأمير من المحافظة على سلطته ودولته في عالم تسوده المنافسة والصراعات وتقلب الولاءات.
ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين، أفرزت بعض التطورات السياسية بالمكشوف، داخل الدول وخارجيا، انبعاث بعض الظواهر المرتبطة بما يمكن تسميته “العودة إلى بعض مظاهر الميكيافيلية”. ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- طغيان المصلحة على المبادئ في الممارسات السياسية،
- استعمال الدعاية المضلله والتلاعب بالرأي العام،
- صناعة وتلميع صورة الحاكم،
- إدارة الخوف والأمل وتوظيفهما سياسيا،
- التحالف مع الخصوم عند الضرورة،
- التخلي عن الحلفاء عندما تتغير موازين القوة،
- توظيف القانون والمؤسسات في الصراع السياسي،
- استخدام الخطاب السياسي بمرونة شديدة تبعا لتغير المصالح والظروف.
وبالرغم من استفحال هذه الظواهر، يمكن القول أن المكيافيلية في سياق المنطق المعاصر لا تمارس بالطريقة نفسها التي كانت تمارس بها في العصور السابقة.
الأفكار قد تتشابه، لكنها أصبحت تتحرك في فضاءات جديدة، وتمارس من خلال فاعلين وأدوات جديدة. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن كل السياسات تتغذى، كليا أو جزئيا، من المنطق المكيافيلي.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع المتتبع للشأن السياسي المعاصر تجاهل بعض التقابلات التي تستدعي التفكير في مدى استمرار هذا المنطق، سواء على مستوى الدول أو على مستوى العلاقات الدولية.
فالمؤسسات الديمقراطية، والدساتير، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وآليات الرقابة والحكامة، والاستحقاقات الانتخابية، واستقلال القضاء، ونباهة الرأي العام، ودور المجتمع المدني، كلها جعلت ممارسة السلطة أكثر تنظيما مما كانت عليه في زمن مكيافيلي.
ومن ثم، حتى وإن افترضنا وجود مساعي لتسهيل نفاذ الممارسات ذات الطابع المكيافيلي إلى المجال السياسي بمؤسساته المتطورة، فإن هذا النفاذ لا يمكن أن يتم بالطريقة المباشرة نفسها، بل قد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا، بحيث يتطلب توظيف المؤسسات والقواعد والخطابات الديمقراطية بدهاء شديد لتيسيرها، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أعمق حول العلاقة بين المؤسسة والقوة، وبين الشرعية والمصلحة، وبين القانون وممارسة السلطة.
وتأسيسا على ما سبق، لا ينبغى قراءة “الأمبر” باعتباره كتابا لتعليم الشر، كما لا ينبغي التعامل معه باعتباره كتابا مفيدا في فن الحكم. والأقرب إلى طبيعة النص أن يقرأ بوصفه محاولة لتشريح علاقة السلطة بالقوة والعنف والخوف والمصلحة والولاء والأخلاق.
وعلى هذا الأساس، أرى أن على القارئ أن يضع مكيافيلي في سياقه التاريخي، وأن ينظر لكتابه باعتباره تصورا خاصا لممارسة السلطة، وإلى صاحبه باعتباره مفكرا أسهم في إحداث تحول مهم في التفكير السياسي الأوروبي.
وفي كل الحالات، يمكن القول أن مكيافيلي قد نجح في وضع الحاكم أمام صراع دائم بين ما ينبغي أن يكون أخلاقيا، وما قد تفرضه الأحداث والظروف من مكر وخديعة وقوة وحسم، بحيث يصبح الحفاظ على الدولة والسلطة مرتبطا بما يسميه منطق الضرورة السياسية.
وبذلك،لا يمكن التسليم بكون تأثير الكتاب قد توقف عند عصر مكيافيلي، بل تجاوزه وضعا القارئ والمفكر المعاصر أمام أسئلة لا تزال تحتفظ بعمقها وراهنية حضورها:
- هل السياسة مجال للأخلاق، أم مجال للضرورة؟
- هل يمكن بناء دولة أخلاقية بأدوات غير أخلاقية؟
- هل يمكن أن تصبح “ضرورة الدولة” ذريعة لتبرير كل شيء؟
- إلى أي حد يمكن أن يتحول “الأمير” إلى مرجع فكري لكل طامح إلى السيطرة السياسية؟
- وهل ما نعتبره اليوم ممارسة سياسية واقعية يمثل تجاوزا للمكيافيلية، أم إعادة إنتاج لها بأدوات ومؤسسات جديدة؟
ولعل السؤال الأهم الذي يظل مفتوحا أمام قارئ “الأمير” هو : “هل ماتت المكيافيلية بانتهاء عصر مكيافيلي، أم أنها غيرت فقط أدواتها ولغتها وأشكال حضورها؟.

تعليق واحد