عاد التوتر بين مصر وإثيوبيا إلى الواجهة مجددًا، على خلفية اتهامات متبادلة تتعلق بملف الوصول إلى البحر الأحمر، في سياق إقليمي يتسم بتشابك المصالح وتزايد أهمية الممرات البحرية في شرق أفريقيا.
وتتهم أديس أبابا القاهرة بمحاولة عرقلة مساعيها للحصول على منفذ بحري، معتبرة أن استمرارها كدولة حبيسة لم يعد خيارًا مقبولًا، خاصة في ظل عدد سكانها الذي يتجاوز 130 مليون نسمة وطموحها لتعزيز حضورها الاقتصادي والإقليمي. وفي هذا الإطار، تسعى إثيوبيا إلى تأمين منفذ مستقل أو عقد شراكات طويلة الأمد مع دول الجوار، لتقليص اعتمادها على موانئ جيبوتي.
في المقابل، تؤكد القاهرة أنها لا تفرض قيودًا على وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، لكنها تتحرك ضمن حسابات استراتيجية لتعزيز علاقاتها مع دول مؤثرة في المنطقة، مثل إريتريا والصومال، في ظل تعقيدات قائمة في علاقات هذه الدول مع أديس أبابا.
وترى مصر أن البحر الأحمر يمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، نظرًا لارتباطه الحيوي بـ قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية العالمية، ما يجعلها تتابع بحذر أي ترتيبات قد تؤثر على توازنات المنطقة أو تعيد رسم خريطة النفوذ فيها.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع من التنافس الإقليمي على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى دولية وإقليمية، من بينها دول الخليج وتركيا والصين والولايات المتحدة، في ظل تزايد أهمية الموانئ وخطوط الملاحة، خاصة مع الاضطرابات التي تشهدها التجارة العالمية.
وتجد إريتريا نفسها في قلب هذا التوازن، إذ تدعو إلى احترام سيادة الدول المشاطئة ورفض أي ترتيبات تمس بالحدود الموروثة، مع التركيز على التعاون الإقليمي في مواجهة التهديدات المشتركة، مثل القرصنة والتهريب، دون الانخراط في تحالفات عسكرية خارجية.
وفي المقابل، تشدد إثيوبيا على أن مساعيها للحصول على منفذ بحري تنطلق من اعتبارات اقتصادية وتنموية بحتة، مؤكدة أنها تسعى لتحقيق ذلك عبر الوسائل السلمية والتعاون الثنائي، بعيدًا عن أي توجهات تصعيدية.
ورغم حدة الخطاب السياسي، تشير المعطيات إلى أن الخلاف لا يزال محكومًا بالقنوات الدبلوماسية، خاصة في ظل إدراك الطرفين لأهمية الاستقرار الإقليمي. غير أن تداخل هذا الملف مع أزمة سد النهضة، التي تشكل أحد أبرز نقاط الخلاف بين البلدين منذ 2011، قد يزيد من تعقيد المشهد خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تؤكد القاهرة تمسكها بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن إدارة السد، بما يحفظ حقوقها المائية، في حين تواصل أديس أبابا التأكيد على حقها في استغلال مواردها لتحقيق التنمية، ما يبقي الباب مفتوحًا أمام مزيد من التوتر، وإن ظل ضمن حدود العمل السياسي والدبلوماسي.




