ليس السؤال في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة من سيفوز، نتنياهو أم خصومه، ولا من سيكون أقل إجراماً بحق الفلسطينيين واللبنانيين. فبالنسبة إلى غزة والضفة الغربية ولبنان، الإجرام هو نفسه، مهما تبدّلت الوجوه والأحزاب والحكومات.
هذه الدولة قامت على الاحتلال والقتل والتهجير، ولم تكن جرائمها يوماً مرتبطة بشخص نتنياهو أو بعصابته الحاكمة، بل بتاريخ هذا الكيان وطبيعته.
لكن إذا كان لا بد من الاختيار بين نتنياهو وخصومه، فمن المؤكد أن نتنياهو هو الأفضل لنا. ليس لأنه أقل وحشية، ولا لأننا ننتظر منه سلاماً أو عدلاً، بل لأنه، بتطرفه وإجرامه هو وعصابته الحاكمة، قد يكون أكثر من يساهم في القضاء على هذا الكيان الغاصب، من خلال تدمير صورته التي أمضى الغرب عقوداً في تلميعها.
لقد نجح نتنياهو في ما عجز عنه كثيرون من خصوم إسرائيل: كشف حقيقتها أمام العالم. فبسببه بدأ العالم ينفك من حول إسرائيل، وبدأت تتصدع الرواية التي طالما قدّمتها دولة ديمقراطية محاطة بالأعداء، تدافع عن وجودها وقيمها الإنسانية.
الأهم أن هذا التصدع لم يعد محصوراً بالفلسطينيين والعرب أو بالمتضامنين التقليديين معهم. فقد وصل إلى أوساط يهودية وإسرائيلية في الغرب، بينها شخصيات كانت تدافع عن إسرائيل، أو ترتبط بها وجدانياً، وأصبحت اليوم تنتقد سياساتها وتستنكر جرائمها، بل وتطرح أسئلة قاسية عن معنى الانتماء إليها.
هنا تبرز شهادة الصحافي الفرنسي اليهودي كلود أسكولوفيتش، الذي أعلن أن «الفاشيين في السلطة» في إسرائيل، وأصدر كتاباً بعنوان «يداي الملطختان بالدماء»، يتساءل فيه عن معنى انتمائه اليهودي في ظل ما يجري في فلسطين. ولم يكتف بإدانة نتنياهو، بل أعاد فتح ملف تهجير الفلسطينيين منذ عام 1948.
في الولايات المتحدة، ذهب الكاتب اليهودي الأميركي بيتر بينارت أبعد من انتقاد الحكومة، فاتهم قطاعات من اليهود الأميركيين المدافعين عن إسرائيل بفقدان بوصلتها الأخلاقية، ودعا إلى دولة واحدة يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بحقوق متساوية.
هذه الأصوات تكشف حجم التحول الذي أحدثته جرائم إسرائيل في الوعي الغربي.
ولكن ماذا لو خسر نتنياهو الانتخابات؟
هنا تكمن الخطورة. سيخرج علينا العالم ليقول: انظروا، هذا الشعب الإسرائيلي لفظ نتنياهو وعصابته، وانتصر للاعتدال والديمقراطية. وستبدأ وسائل الإعلام الغربية حملة تحسين صورة إسرائيل، وكأن جرائم غزة ومجازر لبنان والاستيطان في الضفة الغربية كانت مجرد انحراف ارتكبته مجموعة من المتطرفين.
سنسمع مجدداً الأسطوانة القديمة: إسرائيل ليست هكذا، المشكلة كانت في نتنياهو وعصابته.
هكذا تُغسل صورة الكيان بتغيير الحكومة، ويُطلب من الفلسطينيين والعرب أن ينسوا جرائمهم وإباداتهم، وأن يمنحوا إسرائيل فرصة جديدة.
لهذا نقول إن استمرار نتنياهو قد يكون الأفضل لنا، لا حباً به، بل لأنه يفضح، يوماً بعد يوم، ما حاولت الدعاية الإسرائيلية إخفاءه لعقود.
فنتنياهو ليس استثناءً من تاريخ إسرائيل، بل هو التعبير الأكثر فجاجة عنه. وربما يكون الرجل الذي أراد تخليد نفسه منقذاً لإسرائيل، هو نفسه من يسرّع سقوط صورتها وشرعيتها أمام العالم.
