آراء
أخر الأخبار

من الإسلاميات التطبيقية إلى الإسلاميات النقدية

في هذا اللقاء، تكاثف النظر تحت عنوان مشروع الاسلاميات النقدية للمفكر المغربي د.عبد الإله بلقزيز، وفي قراءة قام بها كل من د.عز الدين العلام وهو ضليع حد الشغب في الأدبيات السلطانية ود.نبيل فازيو باحث سوسيولوجي، بينما قام بتسيير اللقاء المفكر المغربي د.نور الدين أفاية مفكر الصورة والتواصلية

تبدو قصة المفاهيم بالغة الخطورة في مقاربة ما أشكل في الاجتماع السوسيو سياسي والسوسيو ثقافي العربي، فالتاريخ يمانع ضد الاختزال البنيوي، والعكس صحيح، ولا مفر للناظر من إعادة تحيين وتجديد المفاهيم، لأن ثمة ما هو أسوأ من غياب المفاهيم، ألا وهو سوء تدبيرها.

في النقاش الذي احتضنته مؤسسة أبو بكر القادري بمدينة سلا، سافرنا سفرا طويلا بعيدا عما يروج ويحسبه المتهافتون على أنصاف الأفكار والمواقف بأنه أم الحقائق.

لحظات استعادة الصحة النفسية والمعرفية بعد سعار مجال سوسيو_ ميديائي أهلك الحرث والنسل.

في هذا اللقاء، تكاثف النظر تحت عنوان مشروع الاسلاميات النقدية للمفكر المغربي د.عبد الإله بلقزيز، وفي قراءة قام بها كل من د.عز الدين العلام وهو ضليع حد الشغب في الأدبيات السلطانية ود.نبيل فازيو باحث سوسيولوجي، بينما قام بتسيير اللقاء المفكر المغربي د.نور الدين أفاية مفكر الصورة والتواصلية.

لكل علم موضوع، وكما ذكر القدامى فهو البحث في عوارضه الذاتية بلا واسطة في العروض. وهو تعريف في تعقيده يقودنا إلى حتمية تداخل فروع المعرفة وانحلال التخصصات انحلالا كيميائيا خلاقا.

تكمن أهمية النقاش هنا في أنه بقدر ما نرفع سقف المفاهيم بقدر ما نتخلى عن أشكال الحسم واليقينيات الكاذبة، تلك التي باتت قوتا يوميا يتهدد كل مساحات المعرفة والسياسية.

الجرأة على تقديم المشاريع هي مهمة غير عاجزة، ولكنها تحت دفق رهاب الجهل والتجهيل، يبدو وكأن الغوغائية أنهت مهمة المثقف، وهذا ليس صحيحا، فما أسميه بثأر المثقف قد تكون واحدة من نوباته، تعزيز المشهد بنقاش يبدو تحت طائلة الشعبوية كأنه بات محسوما.

وفي تساؤل لأحدهم، أن قادة الزيف لهم جيش عرمرم يقوم بتعزيز التفاهة، فأين هو جيش النخبة؟ الجواب من الأستاذ بلقزيز كان حذرا، لكنه ينضاف إلى وعي المثقف بتموقعه الموضوعي، وهو أنه دائما تأتي اللحظة التي يتوفر فيها الحامل الاجتماعي والسياسي لتطبيق الفكرة.

ويبدو في نظر بلقزيز أن الجمع بين مهمة النخبة المعنية بإنتاج الأفكار ومهمة الحركي، قد تبدو حالة شبه بهلوانية. وكم بدا لي شخصيا أنها مهمة صعبة، وكم انتابني شخصيا هذا الإحساس بأنني بهلوان في هذا الجمع الشقي.

دعنا نؤكد هنا بأن المثقف العضوي عند غرامشي وعموم من اهتم بمفهوم النخبة لا سيما في الفكر الإيطالي، مع أن العضوي كضميمة هاهنا هي تحصيل حاصل إن نحن احترمنا التعريف الأصلي للمثقف، فهو هو نفسه من يتحمل مهمة التنوير والاصلاح، وإلا فهو حرفي.

ويا لها من مهمة ينضاف إليها إنقاذ التنوير من سطوة التبسيط و الشعبوية الكامنة خلف هذا الانجراف المرعب لتربة المفاهيم. وقد يبدو بالإمكان تحمل السذاجة بدل تحمل السطو التبسيطي للمفاهيم، هواية استهلاك أعقاب المفاهيم والتقاطها من أرصفة الاستعمال الفاسد.

كل الأفكار التي باتت محل تداول عام، يقف خلفها المثقف. مفهوم الدولة، العقد الاجتماعي، مفهوم التغيير، التنوير، المقاومة.. ودائما هناك موعد يضربه التاريخ مع ميلاد الحامل الاجتماعي والسياسي.

وقد يحدث أن ينتهي خلط المفاهيم إلى كوارث؛ يذكر بلقزيز هنا بأن سوء تقدير الفرق بين مفهوم السلطة والدولة، انتهى بالربيع العربي لإسقاط دول وليس لإسقاط نظام سياسية.

وعلى الرغم من أن مشروع الاسلاميات النقدية ينتمي إلى طبقة نقدية تشربت كل المحطات التي كانت ملهمة، لا سيما أركون الحاضر الغائب في هذا المشروع، والمؤاخذ عليه أيضا في بعض الإهمالات، كالتاريخي، لكن يفرض الإنصاف أن نعتبر أن توجيه أركون لأنظار النخبة الناظرة في معضلة التراث، هو توجيه عام لا يتحمل بالضرورة مسؤولية عدم تنفيذه.

الاسلاميات النقدية تنويعة ذكية – ولكنها أيضا تطوير لمسار فكري طويل الأمد بالغ التعقيد – على الإسلاميات التطبيقية الأركونية. وليس في الأمر ما يدعوا للتساؤل، فهذه هي مهمة التفكير، أي إعادة بناء وتأهيل رميم المفاهيم، فأركون نفسه استند إلى خبرة روجير باستيد في الانثربولوجيا التطبيقية.

لكنني ومن منظوري العبر مناهجي أرى أننا نتطور في اتجاه هذا التفاعل الكيميائي للمعرفة، هو النضج الذي يورث مستوى رفيع من النسبوية والتنمية المستدامة للفكر.

هذا التفاعل يفرض إعادة تقييم وتقويم الفرضية، هي نفسها الموقف الثوري لكارل بوبر، موقف الدحض المستدام للنظرية، فمن هناك يتولد الصواب.

شخصيا أضع مشروع الاسلاميات النقدية في هذا المسار الاستيعابي التكاملي مع فائض قيمة أحقاب من التفكير، ربما لم تتاح له الفرصة الكافية للتفاعل. كان لابد في المبتدأ من التصلب والانغلاق على أحياز مفهومية، في عصر الايديولوجيات الصاخبة.

كانت مرحلة من النمو طبيعية. ومع ذلك هي محاولة تجيب عن تلك المهملات التي لمح إليها أركون، وربما لم يسعفه الجهد للإجابة عليها جميعا، لأن مهمة التفكير أيضا تتطلب منظومة عمل جماعية تتكامل فيها جهود النخبة وتتفاعل في بوتقتها الاختصاصات نحو تفاعل خلاق.

في هذه المقاربة البلقزيزية نلاحظ انفتاحا على سائر المقاربات، وتحديدا في مقاربة الظاهرة الدينية، فنحن إزاء قضية مركبة بالغة التعقيد. وقد لفت انتباهي ما بدا عند بلقزيز واحدة من الأزعومات الأركونية، ألا وهي قضية أن التراث ليس هو المكتوب فقط، بل هناك التراث الشفهي.

ويقدر ما تبدو الدعوة مغرية إلى حد ما، لكن ما يبدو مفارقة في نظر بلقزيز هو أن ما يبدو تراثا شفهيا لا يمكن التعرف عليه إلا إذا أصبح مكتوبا. وكان أولى في نظري أن يستعمل أركون ما يوسع من مجال اشتغال الجابري حول الثقافة العالمة، واستحضار التراث الشعبي المحكي. وربما كانت الغواية الانثربولوجية حاضرة هناك.

الاسلاميات النقدية ناظرة فيما اهمل بقصد أو بدونه في الاسلاميات التطبيقية ونظائرها. بالخبرة الموصولة بالواقع و المتواصلة بشتى فروع المشكلة العربية واستحضار نابتات المفاهيم الإستشراقية والمحلية، كانت كافية لترشيد الموقف.

هو ضرب من تجديد القول في مفهوم التدين نفسه، وحيث بدا أن الطاغي على النظرات المستجدة في علاقة الدين بالتدين، هو تجهيل التدين مقابل تمجيد دين التعاليم مستحيل بلوغه، أو الدين في نفس الأمر، يخلص صاحب الإسلاميات النقدية إلى أنه لا فكاك بين الأمرين.

فإلغاء التدين وهو حتمية تاريخية يفرضها وازع التأويل، معناه إلغاء الدين رأسا. وهنا تنحل عقدة الثنائية النكدة المبنية على سوء استحضار المقاربة التاريخانية نفسها للحامل الديني، باعتبار الدين هو في نهاية المطاف تمثل في شروط تاريخية معينة.

ومن هنا تتأكد النظرة الواقعية الدين، إذ في مرتبة التدين والتأويل لا يمكن إلا أن تكون هناك مذاهب وتنوع واختلاف في سياق ومفهوم الهوية المطاطة القابلة للتمدد والانكماش عند الاقتضاء.

وكما ألمح د. نور الدين افاية، فصاحب مشروع الاسلاميات النقدية يمتلك ما يكفي من “سلطة اللغة”، لاستظهار ما يصعب استظهاره أو ما لم يكن في متناول المفكر فيه.

نقاش واسع حول قضايا ومستشكلات عديدة، في علاقة الدين بالسياسة، مهم التأويل، التعاليم وتحققها في التاريخ.. كان نقاشا غنيا مقارنة بمحصول ما يروج بقوة هدر السيبرانية الشعبوية والزومبية الرقمية من مستقبح النظر، كله يعني أن المثقف أبدي (immortel)، وبأن ثأر المثقف غالبا ما يكون في المفاهيم وبها ولها، وعليه المعول!.

https://anbaaexpress.ma/rrttg

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى